الرئيسية / مفاهيم قانونية / عدم الإدراك كمانع للمسئولية الجنائية. الإكراه كمانع للمسئولية الجنائية– أسباب الإباحة

عدم الإدراك كمانع للمسئولية الجنائية. الإكراه كمانع للمسئولية الجنائية– أسباب الإباحة

السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.

نستكمل مع بعض ملخص القانون الجنائي (النظرية العامة) ونحن بصدد محل المسئولية وتقدم مسئولية الصغير وانتهينا الى أنه تمتنع مسئولية الغير بالغ الجنائية ويجوز اتخاذ التدابير اللازمة للإصلاح والتربية إن رأت المحكمة ذلك.

نشوف المانع الثاني وهو عدم الإدراك. يعنى شنو عدم الإدراك؟ يعنى ما واعى بنفسه ما عارف هو قعد يعمل شنو. يعنى عديم الإدراك. وعدم الإدراك أسبابه غير إرادية إنتبه – غير إرادية، يعنى سببها لا يرجع للمتهم نفسه. فإن كان عدم الإدراك سببه هو نفسه (الفاعل-محل المسئولية) يعامل بنقيض قصده يعنى شنو يعنى يعامل معاملة المدرك.

المادة 10 من القانون الجنائي 1991 (النافذ) نصت على أن( لا يعد مرتكبا جريمة الشخص الذي لا يكون وقت ارتكاب الفعل المكون للجريمة مدركا لماهية أفعاله أو نتائجها أو قادرا على السيطرة عليها بسبب:

-الجنون الدائم أو المؤقت أو العاهة العقلية أو النوم أو الإغماء أو تناوله مادة مسكرة أو مخدرة أو دون علمه، فإذا كان ذلك باختياره وعلمه وبغير ضرورة يعد مسئولا عن فعله كما لو صدر منه الفعل بغير إسكار أو تخدير.

لاحظت؟ الجنون دائم أو مؤقت لا يد للفاعل فيه، مافى زول بيجن باختياره إذا دائم وإلا متقطع، دا قدر الله عليه . وكذا العاهة العقلية. ولاحظت الكلام هنا عن غياب العقل كوسيلة إدراك، يعنى فاقد عقله مش أفقد نفسه بنفسه عقله. النوم أيضا غير إرادي  تذكر قوله تعالى (يغشيكم أمنة ونعاسا) وانت بتسمع يقول ليك غلبني أنوم ما قدرت أنوم يعنى ما بإرادته ينوم أو لا . طيب نام واتحرك وهو نائم ( عارف حمار النوم)؟ هو دا بيتحرك ويتكلم ويمشى بدون وعى وإدراك، عشان كدا لو هبشته بينط ويقول ليك مالك في شنو؟ لحظتها بس أدرك. وممكن يغالطك لا مشيت و لا هرجت و لا ، بتسمع النائم بيهضرب لما تقول ليه يغالطك. ليه لأنه ما كان في وعيه. كذلك الإغماء . حماكم الله الناس العندهم صرع بيصرخ أو يرفس او يزبد ويغيب عن الوعى يعنى يفقد إدراكه، في الحالة دى لو وقع في طفل أو رفسه أو كدا تمتنع مسئوليته لأنه لم يكن في وعيه. فاقد الإدراك ما عارف وقتها عمل شنو. واضحة الصورة دي؟؟ أما المادة المسكرة أو المخدرة إذا حدثت بغير إرادة منه، يعنى لو غراه زول غر مخدر أو مسكر يعنى غصبا عنه أو تحت إكراه ملجئ ما حيكون مدرك لسبب خارج إرادته لذلك تمتنع مسئوليته، أما إذا أسكر نفسه بنفسه أو تناول المخدر بنفسه عالما بطبيعة المادة المتناولة، وبغير ضرورة يعامل كما قلنا بخلاف قصده يعنى يعتبر مسئول جنائيا لأن شرط المانع ألا يكون إراديا فإن إراديا لا يمنع المسئولية.

المادة تقيله شوية، مش؟ دايرة روقة كدا تتهضم كويس. مهمة جدا المادة 10 كمانع للمسئولية. أديك فرصة تستوعب الفكرة ونلتقى بإذن الله تعالى ونكمل.

سلام الله عليكم نواصل موانع المسئولية ونحن في إطار الإدراك ، ونستعين بما كان عليه العمل أولا لتكوين فكرة ثم نتابع. ومن المهم هنا عبء إثبات الجنون، منو يثبت مجنون وإلا لأ ومجنون متين؟ وقت الواقعة وإلا قبلها وإلا بعدها؟ نشوف التطبيق دا: ولازم تلاحظ أنه في إطار القانون الأسبق، واستصحب النص الحالي للمقارنة

حكومة السودان ضــد أحمد بابكـر كــرار

محكمــة الاســتئناف

القضــاة:

سيادة السيد أحمد عبد الرحمن       قاضي محكمة الاستئناف        رئيساً

سيادة السيد بهيــج سـوريال        قاضي محكمة الاستئناف        عضواً

سيادة السيد محمد الأمين حسن الشافعي قاضي محكمة الاستئناف        عضواً

حكومة السودان         ضــد         أحمد بابكـر كــرار

م أ/م ك/228/1980م

المبادئ: –       إثبات – عبء إثبات الجنون أو العاهة أو المرض العقلي على عاتق المتهم – المنشور الجنائي رقم 10

–       إثبات – حالة المتهم العقلية – يعتد بحالته العقلية عند ارتكاب الجريمة

1-     لإثبات حالة المتهم العقلية عند ارتكاب الجريمة فإن الحالة التي يعتد بها هي حالة المتهم العقلية عند ارتكاب الجريمة وعلى هذا يكون الشخص مسئولا وإن كان مجنوناً أو ذو عاهة عقلية إذا كان ساعة ارتكاب الحادث يعني ماهية أفعاله ويستطيع السيطرة عليها وبمعنى آخر فإن هنالك اختلافا بين الجنون في الطب والجنون القانوني ويمكن الاستدلال على حالة المتهم العقلية من تصرفاته قبل وأثناء الحادث وبعد الحادث

2-     على المتهم عبء إثبات الجنون أو العاهة العقلية وصفاً بالمنشور رقم 210 – فإن مستوى الإثبات المطلوب يفوق مرحلة الشك المعقول ولكن بعض السوابق القضائية خففت على المتهم هذا العبء

الحكـــم

22/1/1981 :

القاضي محمد الأمين حسن الشافعي:

هذا الطعن بطريق الاستئناف تقدم به المواطن حسن الطيب عطية شقيق المرحومة علوية الطيب ضد القرار الذي أصدرته المحكمة الكبرى التي عقدت بمروي لمحاكمة المتهم أحمد بابكر كرار والذي كان يواجه اتهاما تحت المادة 251 من قانون العقوبات لقتله زوجته المرحومة علوية الطيب وقد كان قرار المحكمة الكبرى أنه غير مذنب تحت المادة 251 عقوبات أو أي مادة أخرى

مقدم الاستئناف لم يذكر في استئنافه أسباب قانونية تجدر مناقشتها ولكن يظهر من استئنافه أنه كان يطعن في القرار الذي توصلت إليه محكمة الموضوع

وقائع هذه القضية واضحة وبسيطة وحسب ما أثبتتها المحكمة الكبرى في ملخص بيناتها فإن المتهم يسكن منطقة السجال قرية القبولاب ضاحية من ضواحي الدبة – ويبلغ من العمر 45عاماً ومتزوج من المرحومة علوية الطيب ولديه منها عشرة أطفال وفي صبيحة يوم الحادث 5/4/1979 طلبت المرحومة من زوجها السماح لها بالخروج لزيارة جيرانها في أحد المناسبات (سماية) إلا أن المتهم رفض أن يسمح لها ولما أصرت على الخروج دار بينهما نقاش سدد المتهم على أثره سبعة طعنات بسكينه (المعروضات) للمرحومة زوجته فأرداها أرضا وقد أسعفت بالمستشفى وتوفيت بتاريخ 7/4/1979 متأثرة بجراحها

عناصر جريمة القتل متوفرة فقد ثبت أن المتهم قد قام بطعن المرحومة وقد توفيت متأثرة بجراحها وقصد المتهم الجنائي يمكن استخلاصه من الأداة التي استعملت في الحادث وموضع الضربة من الجسم

بعد توافر هذه العناصر وجدت المحكمة الكبرى أن المتهم غير مذنب وذلك لأن المتهم كان في حالة جنون عندما سدد الطعنات للمرحومة

ونبدأ أولا بمناقشة الدفع الذي تعرضت إليه المحكمة الكبرى فنقرر ابتداء إن المادة 50 من قانون العقوبات قد نصت على الآتي:-

“لا جريمة في فعل يقع من شخص تعوزه وقت ارتكابه ذلك الفعل القدرة على إدراك ماهية أفعاله أو السيطرة عليها بسبب الجنون الدائم أو المؤقت أو العاهة العقلية طبقا لنص هذه المادة فإن المحك لإعفاء المتهم من المسئولية الجنائية هما:-

1- أن تعوزه القدرة على إدراك كنه أفعاله والسيطرة عليها

2- أن يكون ذلك بسبب الجنون أيا كان نوعه أو أساسه أو عاهة في العقل

3- أن يكون ذلك عند ارتكاب الجريمة ولتطبيق هذه المادة فإن المحاكم تتبع ما جاء في المنشور القضائي رقم21 بتاريخ 1/1/1954 والذي نص في البند (9) أن المادة 50 عقوبات تختلف عن قانون الجنون بإنجلترا المبني على قاعدة ماكنتوتن وقد أشار إلى هذه القاعدة رئيس القضاء الأسبق محمد أحمد أبو رنات في السابقة القضائية

حكومة السودان ضد موسى آدم اسحق المجلة القضائية 1958 ص 2 حيث ذكر الآتي:-

“I think it is pitting to mention here that our law is different from India and England in detail although the result may be the same For example we do not recognize the English and India test of lack of knowledge that the act he does  worng or contrary to law section 50 lays down tests either of who conclusive

وطبقا للمنشور رقم (21) 1/1/1954 فإن عبء إثبات الجنون أو العاهة أو المرض العقلي على عاتق المتهم فعليه أن يثبت ما يدعي به وراء أي شك معقول ولكن بعض السوابق القضائية خففت على المتهم هذا العبء فقد جاء في قضية:-

حكومة السودان ضد خضر عبد الله الحسن المجلة القضائية سنة 1966 صفحة 128

“It seems that the rigour of the keaver burden of proof was meant, at a time when medical science was not far advanced To set barriers and barricades in the path of feigned such defences in order that a miniaum of such feigning defendants could skip punishment, but now with the big strides in that direction the chance of their being detected is increased: but in spite of development in medical science and due to inherent human short comings and frailties, the worlds of mind and self from being fathomable, and their secrets still remained buried in the deep depth of being and it is therefore better that ten such feigning accused persons should flout the law than one single person who is in need of care and cure be punished, for he is innocent in the eye of reason Se only problem that remains is that firm and correct steps are to be taken to ensure that such persons are allowed to be a menace to others, but this is another matter”

أما عن كيفية حالة المتهم العقلية عند ارتكاب الجريمة فإن الحالة التي يعتد بها هي حالة المتهم العقلية عند ارتكاب الجريمة وعلى هذا فإن الشخص يكون مسئولا جنائيا وإن كان مجنوناً أو ذو عاهة إذا كان ساعة ارتكاب الجريمة يعي ماهية أفعاله ويستطيع السيطرة عليها وبمعنى آخر فإن هنالك اختلافا بين الجنون في الطب والجنون القانوني Legal Insanity ويمكن الاستدلال على حالة المتهم الفعلية من تصرفاته قبل وبعد وأثناء الحادث أنظر السابقة القضائية:-

حكومة السودان ضد خضر عبد الله الحسين المجلة القضائية سنة 1966 ص 127 و 128

“according, therefore, it is the duty of the accused to put forward all the facts upon which he relies and endeavour to satisfy the court of the genuiness and truth of his defence In order to arrive a vivid picture as far as human capacity can do

the court should ift all facts and circumstances available, commencing from accused’s past history, his disposition at the time he committed the act and his demeanour shortly after, and thereafter including his demeanour at trial, and the court has is call to its said expert evidence whenever it can do so and should give it due weight and not dismiss it with ease, having in mind that the utterance whether the accused was sane or not lies at the end with the court, the expert’s duty is merely to assist the court and give his considered opinion whether a certain set of facts is indicative of insanity

In all cases legal insanity is set up, it is most material to consider the circum stanCes, which have preceded, attended and followed the crime; whether there was deliberation and preparation for the act; wether it was done in a manner which showed a desire for concealment whether after the crime, the offender showed consciousness of guilt, and made efforts to avoid detection whether after his arrest, he of fered false excuses and made false statements The behaviour of the accused a after the act would be very relevant

See I Gour Penal Law of India (7th Ed 1962) p 367

It should be noted that the cricial time is the time when the act constituting to crime was committed The court may find this difficult especially of the accused person from appearances seems to be very sance or in fact lives a lucid interval at the time

But how is the state of mind at the time to be determined ? Direct evidence may be forthcoming as to his overt acts, but it cannot speak of the state of mind, it will therefore, have to judge not only by his contemparaneous act, words and conduct, but also his predisposition and his prior and subsequent acts and conduct As the fact to be inquired into is his mental power of congnition at the time, all facts finding to throw a light on it are relevant The usual method adopted in such inqu iry is

1 To place the accused under the medical observation

2 To let in evidence as to the prisonor’s antecedents

3 To observe and note his demeanour in court

4 To see if his crime was supported by a motive, or

5 circumstances which postulatecognition, such as

preparation, the choice of weapon, and the manner of using it

7 attempts of concealment, either before or at the time of the act, or afterwards

8 the circumstances attending the commission of the crime, such as the choice of time, place and opportunity

9 the assistance of an accomplice

10 the statements made immediately after the crime

Having all the necessary data before it, the Court now should not fix its mind on the defence of the accused concerning his menal capacity and satisy itself that is there is evidence to prove his insanity beyond andy reasonable doubt; but it should look into all the facts and circumstances and try to reach a satisfactory conclusion as to the sanity of the accused and if there is reasonable possibility that he was not same at the time he committed the act then the accused would be antitled to the protection of the relevan sections

وعلى ضوء هذه المبادئ القانونية الثابتة يثور السؤال هل المتهم مجنونا؟

لقد أجابت المحكمة الكبرى على هذا السؤال بالإيجاب وذلك بالرجوع إلى أقوال المجني عليها والتي أدلت بها قبل وفاتها ويجوز قبولها قانوناً على أساس أنها بينة محتضر فقد ذكرت المرحومة أنها تعرف أن زوجها المتهم غير صحيح العقل وكذلك القرار الطبي مستند اتهام (2) وأقوال الشهود

من هنا فإننا نوافق المحكمة أن المتهم يعاني من مرض عقلي ومن هنا يثور سؤال آخر هل كان المتهم يعي طبيعة أفعاله؟ هذا السؤال يقودنا لمناقشة المقصود بطبيعة الأفعال ولقد ورد في السابقة القضائية:

حكومة السودان ضد موسى آدم اسحق المجلة القضائية سنة 1958 ص 2

“The section speaks of the (nature) which includes (quality) A man is said to be ignorant of the nature of his act when he is ignorant of the operation of external agencies which he brings into play eg an idiot firing a gun looking upon it as a harmless toy He is ignorant of the quality of his act if he knows the result which will follow, but he is incapable of appreciating the elementary principles which made up the heirous and shocking character of that result eg and idiot unable to precieve the difference between shooting a man and a monkey”

لقد ثبت أمام المحكمة الكبرى أن المتهم قد قام بطعن زوجته بالسكين (المعروضات) أثر مناقشة نشبت بينهما بعد أن حاول منعها من الذهاب لعزومة وقد سدد لها المتهم سبعة طعنات وفي مثل هذه الظروف فإنه لا يمكننا القول بأن المتهم لم يكن يدري أفعاله – وبالتالي فإن الإجابة على السؤال الذي طرحناه تكون بالنفي

وإذا كانت الإجابة على السؤال السابق بالنفي فهل كان المتهم يملك القدرة في – السيطرة على أفعاله؟

جاء في السابقة القضائية: حكومة السودان ضد عبد الوهاب عبد السخي

“As to control of the act, this refers to cases of irresistible or unresisted mpluse It is known the most crimes are the result of temptation or impulse that

are not resisrted, and it is absured to expect any court to accept a medical opinion that an act was result of an irresistible impulse beyond the control of the patient without corroborative evidence

كما جاء في قضية حكومة السودان ضد عوض الكريم علي:

“The firs circumstances is that the act of the accused in killing a helpless baby without motive and in continuing to hisit with an iron stave whilst it lay on the grouind is one which the ordinary person qualigy as the act of a dangerouis lunatic

انظر مؤلف الأستاذ:         Krishna Vasdef

The Law of Homicide in the Sudan

لقد ثبت أمام المحكمة الكبرى أن المتهم قام بطعن زوجته المرحومة إثر مناقشة نشبت بينهما بعد أن رفض هو السماح لها بالذهاب للعزومة وقد سدد لها سبع طعنات وسلم السكين لوالده وبعدها حضر لقسم الشرطة بصحبة شقيقه وفي مثل هذه الظروف لا يمكننا القول بأن المتهم لم يستطع السيطرة على أفعاله حيث أفعاله حكمها قبل وبعد الحادث مباشرة كان إرادية وواضحة

ومن هنا فإننا لا نتفق مع المحكمة الكبرى فيما توصلت إليه بانطباق المادة 50 من قانون العقوبات والتي لم تناقشها المحكمة الكبرى نقاشا مستفيضا وقد تعجلت المحكمة في قرارها الأخير الذي خلصت إليه وخلطت بين حالة المتهم العقلية التي ثبتت لها من التقارير الطبية وأقوال المحتضرة والشهود وبين حالة المتهم عند ارتكاب الحادث وذكرت أن هنالك شكا يجب تفسيره لصالح المتهم وحاولت المحكمة الكبرى أيضا أن تفرق بين المادة 249(6) والمادة 50 من قانون العقوبات ولكنها لم تناقش ذلك بتوسع ايضا واكتفت بالقول بان  المادة المنطبقة 50عقوبات وليس المادة249(6) عقوبات وعليه وبما أن المحكمة الكبرى لم تناقش الاستثناءات الواردة في المادة 249 عقوبات فإننا وبعد أن قررنا عدم انطباق المادة 50 عقوبات أن تعاد الأوراق للمحكمة الكبرى لمناقشة الاستثناءات الواردة في المادة249 عقوبات

28/1/1981:                                                29/1/1981:

القاضي أحمد عبد الرحمــن:                            القاضي بهيــج سـوريال

أوافــق                                                 أوافــق

تطبيق ثانى للتمييز بين الحالة العقلية والحالة النفسية

محكمــة الاستئناف

القضــاة:

سيادة السيد بشير محمد صالح        قاضي محكمة الاستئناف          رئيساً

سيادة السيد عبيد قسم الله            قاضي محكمة الاستئناف           عضواً

سيادة السيد د بشارة إبراهيم بشارة   قاضي محكمة الاستئناف         عضواً

حكومة السودان        ضــد        حسن موسى دفع الله

م أ/م ك/2/1980م

المبادئ:

–      قانون جنائي- تطبيق المادة 50 عقوبات – المادة 249 (6) عقوبات – الفرق بينهما

هناك فرق بين تطبيق المادة 50 عقوبات والمادة 249(6) فلا يمكن تطبيق المادة50 لأن المتهم يعاني من اضطرابات نفسية فحسب بل يجب أن يعاني من مرض الجنون ولا يعي كنه أفعاله أو التحكم فيها وقت ارتكاب الجريمة ولكن يمكن تطبيق المادة 249 (6) المستحدثة في قانون العقوبات لسنة1974 إذا ثبت أن المتهم كان يعاني من أثر على حالته النفسية

رأي عابــر: الشهادة الخاصة عن حالة المتهم العقلية بتوجب قبولها تحت المادة 229 إجراءات وليس المادة 228 من قانون الإجراءات الجنائية

ملحوظــة المحــرر: انظر قضية حكومة السودان ضد بكاره جلده (م ع/م ك/22/1974) أنظر قضية حسن بلل قرني (م ع/م ك/61/1974)

المحامــون: محمد الوسيلة محمد

الحكــم

27/2/1980  القاضي عبيد قسم الله:

حوكم المتهم حسن موسى أمام محكمة كبرى عقدت بامدرمان برئاسة القاضي محمد أبوبكر محمد وأصدرت حكمها بتاريخ 29/12/1979 بإدانة المتهم تحت المادة 253 عقوبات وسجنته أربعة عشر سنة من تاريخ دخوله الحراسة

تتلخص وقائع هذه القضية في أنه بتاريخ 4/4/1978 حوالي الساعة 3 صباحاً كان المتهم المرحوم وشاهدي الاتهام إبراهيم موسى – شقيق المتهم – والناجي مصطفى –شقيق المرحوم- كانوا جميعاً يشاهدون حفل مقام بمنطقتهم بالحارة السادسة أمد رمان الجديدة عاد الجميع إلى منزلهم ما عدا المتهم الذي تأخر في الحفل بعد حين لحق بهم وقام المرحوم بفتح الباب له عند وصوله المنزل اتجه المرحوم إلى سريره ونام عليه قام المتهم إلى الغرفة وصلى ركعتين ثم أخذ سكين كانت في ذراعه وطعن بها المرحوم ووقف بعيدا قام المرحوم متحاملاً على نفسه وأيقظ شاهد الاتهام الثاني إبراهيم موسى وأخبره بما حدث  أسرع هذا الشاهد وقام بإمساك المتهم وانتزع السكين ورأى (زبد) على فم المتهم ثم قام بإدخاله الغرفة وأغلقها عليه وتم إسعاف المرحوم الذي توفى بالمستشفى متأثراً بجراحه حوالي الساعة 730 صباحا

أدلى المتهم باعتراف قضائي كامل عن الحادث مفاده أنه طلب من المرحوم  إرجاع مائة وخمسين جنيها استلفها الأخير منه ولكن المرحوم أنكر ذلك وأنه كان يتردد قبل الحادث على المشايخ والفقراء للعلاج من اضطراب في عقله

انحصر خط الدفاع منذ الوهلة الأولى في أن المتهم مريض عقلياً وأنه يعاني من الجنون ساعة وقوع الحادث وبالتالي طالب بتطبيق المادة 50 عقوبات واحتياطياً استرحام مقدم أسبابه أدانت المحكمة الكبرى المتهم تحت المادة 249(6) عقوبات وأصدرت حكمها تحت المادة 253 عقوبات

تقدم الأستاذ محمد الوسيلة محمد بهذا الطلب مستأنفاً قرار الإدانة ومطالباً بتطبيق المادة 50 عقوبات ويتلخص استئنافه في التالي:-

1-     حدد المنشور الجنائي رقم (21) السوابق القضائية المتعاقبة المعايير ودرجة الإثبات للاستفادة من تطبيق المادة 50 عقوبات وفي حالة الجنون حكومة السودان ضد خضر عبد الله المجلة القانونية 1966 ص 110

وللوصول إلى استفادة المتهم تحت المادة 50عقوبات يجب حسب ما جاء في السابقة أعلاه الأخذ في الاعتبار:

( أ ) شهادة الأقرباء أو غيرهم عن حالة المتهم قبل وأثناء وقوع الحادث

(ب) الشهادة الطبية

( ج) إثبات ترجيح حالة الجنون لا إثباتها فوق مرحلة الشك المعقول

هذا في شأن ما أرسته السابقة أعلاه

2-     هنالك شهادة شاهد الدفاع دفع الله موسى والشيخ الصديق وأقوال المجني

3-     شهادة الدفاع عن حالة المتهم بعد الحادث من قفله بالحجرة وتهييجه حتى خرج منه الزبد

4-     الشهادة الطبية بعد عرض المتهم على أخصائي الأمراض العصبية والنفسية

5-     لم تكن هنالك دوافع للجريمة حسب ما أثبت أمام المحكمة

6-     ما جاء بالمنشورات عن الإثبات يخالف السابقة المذكورة آنفاً وكذلك ما جاء في السابقة حكومة السودان ضد موسى أبو حماد المجلة 1961 ص 232

ففي المنشور فإن إثبات الجنون يجب أن يكون فوق مرحلة الشك المعقول أما حسب السوابق فإن الترجيح يكفي

7-     أهملت المحكمة الكبرى ما أدلى به المرحوم كشهادة محتضر في أن المتهم مريض عقليا وركزت في مديونية المرحوم للمتهم رغم أن الاعتراف الذي أدلى به كان بغير وعي كما أشار بعض الشهود إلى انهم لم يعرفوا شيئا عن هذه المديونية

هذه هي أهم النقاط التي أثارها الأستاذ محامي المتهم طالباً استفادة الأخير من تطبيق المادة 50 واحتياطياً تقدم باسترحام لأسباب عددها في ذيل المذكرة

وفي نفس القضية تقدم الأستاذ حسن موسى الصافي بمذكرة وصفها باستئناف الحكم الصادر في هذه القضية نيابة عن أولياء الدم وقبل الخوض في قانونية هذا  الطلب تجدر الإشارة إلى أن المادة 252 من قانون الإجراءات الجنائية قد حددت الجهة أو الشخص الذي يحق له تقديم الاستئناف إلى هذه المحكمة ألا وهو الشخص المدان إذاً فهذا الطلب يستوجب رفضه قانوناً كاستئناف مقدم من أولياء الدم لعدم أحقيتهم في تقديمه رغم ذلك فلقد جاءت سوابق المحكمة العليا معتبرة هذا النوع من الطلب بمثابة طلب فحص يجوز قبوله تحت المادة 257 من قانون الإجراءات انظر محاكمة قاسم محمد أحمد الشايب (م ع/ط ج/73/1979)

يتلخص هذا الطلب بعد عرض من الوقائع في أن ما ثبت أمام  المحكمة الكبرى يشير إلى أن المتهم كان واعياً ولم يصب بأية أمراض عقلية وبالتالي لا ينطبق الاستثناء الوارد في المدة 249 عقوبات لذا يرى أن العقوبة الواجبة التطبيق إذا افترض صحة الإدانة تحت الاستثناء السادس هي السجن المؤبد وهو يرى أن الشهادة الطبية مبهمة مما يستوجب إبعادها كما أن وعي المتهم لا يتخلله شك

لذا يرى ويطالب بعقوبة الإعدام تنحت المادة 251 عقوبات

هنالك عدة نقاط تستحق طرقها خاصة كيفية الإثبات الذي يمكن المتهم من الاستفادة بالمادة 50 عقوبات ثم يأتي عرضيا التقرير الطبي وهل يتم قبوله تحت المادة 228(3) إجراءات أم 229 إجراءات ثم المنشور ثم المنشور الجنائي رقم 21

وقبل الخوض في النقاط الواردة أعلاه نرى أن هنالك إثبات أكيد لاشك فيه من أن المتهم قد أتى بالفعل الإجرامي الذي ارتكبه فلقد اعترف بذلك المتهم وشهد عليه كل شهود الاتهام والدفاع وليس هناك من شك في أن موت المرحوم كان نتيجة الفعل العدواني كما ورد في التقرير الطبي الخاص بأسباب الوفاة نتيجة جرح كبير بالبطن نافذ للداخل نتيجة آلة حادة (سكين مثلاً) ووجود آثار تمزق متفرقة في الأمعاء الرفيعة والأوعية الدموية مما تسبب في نزيف داخلي من هذا يتضح أن الموت قد نتج بسبب الفعل الذي ارتكبه المتهم دون تداخل أي سبب أجنبي وبدلاً من إدانته تحت المادة 251 تمت الإدانة تحت المادة 253 عقوبات بعد أن أوضحت المحكمة أسباب استفادة المتهم من الاستثناء السادس الوارد في المادة 249 فلقد ثبت  لها أن المتهم كان يعاني من اضطراب عقلي قبل الحادث وأنه قد تردد على بعض (الفقرا) بقصد العلاج كما أنه عانى من عجز جنسي وبنفس القدر رفضت المحكمة تطبيق المادة 50 عقوبات بعد أن أوضحت أنه قد ثبت لديها أن المتهم كان يعي أعماله ساعة ارتكاب الجريمة وبالتالي أسقطت عناصر المادة 50 من حسابها

كنت أرى منذ الوهلة الأولى أن هذا النوع من القضايا وهذا الخط من الدفاع يتطلب من محكمة الموضوع أخذ التقرير الطبي عن الحالة العقلية للمتهم مأخذ الاهتمام والتركيز لأنه حتماً يحدد إلى درجة كبيرة مدى انطباق المادة 50 ونوعية المرض المدعاة في هذه القضية وبعد أن سجل أخصائي الأمراض العقلية شهادته ولم يتسنى العثور عليه لتوضيحها قررت المحكمة الكبرى قبولها تحت المادة 228 من قانون الإجراءات الجنائية وكرأي عابر أرى أن قبول هذه الشهادة الخاصة عن حالة المتهم العقلية يستوجب قبولها تحت المادة 229 إجراءات وليس 228(3)

هنالك سابقة محكمة الاستئناف سابقا حكومة السودان ضد عبد الله الحسن عمارة المجلة 1962 ص 98 التي أشارت إلى عدم قبول تقرير أخصائي الأمراض العقلية بموجب المادة 228(3) أو المادة 229 إجراءات لأن المادة الأولى تتحدث عن سبب الموت والمادة الأخيرة عن التقارير التي يكتبها أخصائيون في العلوم مثل البكتريا أو وظائف الأعضاء أو علم الأمراض والكيمياء ورأت المحكمة أن الأمراض العقلية لا تدخل ضمن ما ذكر وأن التقرير المطلوب في فرع من فروع العلم يجب أن يكون في شأن مسألة أو شيء عرض على الخبير بطريقة رسمية وأن الإنسان ليس مسألة أو شئ

ومع احترامي أرى أن هذا الرأي لا يسنده النص الوارد في المادة 229 إجراءات وأن كلمة (علم الأمراض) باللغة العربية وترجمتها باللغة الإنجليزية (Pathology) تعني علم تشخيص علم الأمراض وبالتالي تشمل الأمراض العقلية والنفسية

أنظر مذكرة المحكمة العليا حول القرار والحكم في قضية محاكمة المتهم بكاره جلده (م ع/محكمة كبرى/42/1974 بالإضافة إلى ذلك فإن ما جاء في كتاب

(The Law of Homicide in the Sudan by K V)

في صفحة 124 من تفسير للمادة 229 إجراءات كان سليما لأن

State of mind of “a person is a matter or a thing within the meaning of Sec 229”

إذن فإن السابقة أعلاه يجب ألا تحول دون قبول هذا النوع من التقارير تحت المادة 229 إجراءات بعد أن تطمئن له المحكمة بموجب سلطاتها الواردة في نفس المادة في حالة عدم العثور على طبيب أو استدعائه لأي سبب كان

نعود بعد ذلك إلى منطوق المادة 50 عقوبات وكيفية تطبيقها فلقد نصت المادة 50 على التالي: (لا جريمة في فعل يقع من شخص تعوزه وقت ارتكابه ذلك الفعل القدرة على إدراك ماهية أفعاله أو السيطرة عليها بسبب الجنون الدائم أو المؤقت أو العاهة العقلية)

أما الفقرة 249(6) من قانون العقوبات لسنة 1974 فهي (لا يعد القتل عمدا إذا كان الجاني وقت ارتكاب الفعل تحت تأثير اضطراب ناشئ عن تخلف أو إصابة أو مرض عقلي إلى درجة تؤثر تأثيرا حقيقياً على قدرته في التحكم في أفعاله أو السيطرة عليها)

اعتمدت المحكمة في قرارها بإدانة المتهم تحت المادة 253 عندما طبقت الاستثناء الوارد في المادة 249 عقوبات لسنة 1974 على تبيان حالة المتهم قبل الحادث وبعده بعد أن ثبت أن المتهم ظل يتردد على المشايخ والفقراء طلبا للعلاج بالإضافة إلى ذلك ما جاء في التقرير الطبي الخاص بالحالة النفسية وما يعانيه من اكتئاب نفسي واضطرابات في النوم وضعف جنسي وإرهاق عام وخلصت إلى أن المتهم كان مضطرباً عقليا مما أفقده القدرة على التحكم على أعصابه وأفعاله مما لا يقدم عليها عاقل أو مدرك قررت المحكمة الكبرى عدم استفادة المتهم لنص المادة 50 فلقد جاء في حيثياتها ص 6 أن المتهم كان لديه القدرة والمعرفة لإدراك تمييز كنه وماهية ما قام به وقت الحادث حسب ما جاء في اعترافه القضائي حيث أن ما ورد من تصرفه أشار بوضوح إلى وعيه ومناقشته للدين الذي كان بينه وبين المرحوم

ويثور هنا السؤال عن كنه الظروف التي تساعد المحكمة في تطبيق المادة 50 عقوبات ولا شك أن المنشور الجنائي رقم 21 قد ألقى على عاتق المتهم عبء إثبات الجنون فوق مرحلة الشك المعقول ولكن هناك من السوابق ما يشير إلى تخفيف هذا العبء أنظر قضية حكومة السودان ضد خضر عبد الله الحسين (المجلة القانونية 1966 ص 128)

وفي اعتقادي أن ما جاء من حيثيات لمولانا أبو رنات هو الأسلم تطبيقا عندما قال في قضية حكومة السودان ضد آدم موسى أبو حماد المجلة القانونية 1961 ص 232

“I think it is safer to find that the accused did not possess the power of appreciating the nature of his acts of controlling them by reason of mental infirmity”

ولا شك أن هناك فرق واضح بين تطبيق المادة 50 عقوبات والمادة 249 (6) فلا يمكن تطبيق المادة 50 لأن المتهم يعاني من اضطرابات نفسية فحسب بل يجب أن يعاني من مرض الجنون ولا يعي كنه أفعاله أو التحكم فيها وقت ارتكاب الجريمة أنظر حكومة السودان ضد نفيسة دفع الله المجلة القانونية 1961 ص 199

اتجهت المحاكم في تعريف عبارة (القدرة على إدراك ماهية أفعاله)(nature of his acts) الواردة في صلب المادة 50 عدة مسالك

ففي قضية حكومة السودان ضد موسى آدم اسحق المجلة القانونية 1958 ص 2 ورد المثال الذي يشير إلى عدم تمييز المتهم بين إصابته لشخص أم فرد لتطبيق المادة 50

ويثور سؤال هام عن كيفية الوصول إلى أن المتهم يعي كنه أفعاله وقت ارتكاب الجريمة وهنا أرى أن تقييم  الإثبات الوارد عن أفعال المتهم قبل الحادث مباشرة وبعده هو المؤشر لتوضيح حالة المتهم النفسية وقت ارتكاب الجريمة مضافاً إليها كل ما حدث

أنظر مذكرة المحكمة العليا حول الإدانة في قضية محاكمة المتهم حسن بلل قرني (م ع/ م ك/61/1974)

عند فحص الوقائع التي أمامنا في هذه القضية نجد أنه قد ثبت لمحكمة الموضوع الحادث نجد أن البلاغ فتح يوم 4/4/1978 حوالي الساعة 3 صباحاً – حوالي الساعة 415 صباحاً أدلى المرحوم بأقواله للبوليس كما أدلى المتهم بأقواله حوالي الساعة 530 صباحاً ولقد أشار في هذه الأقوال إلى مبلغ المائة وخمسين جنيها ثم ما قام به عند وصوله من الحفل أي قبل الحادث مباشرة وما أداه من صلاة وما قاله ليعقوب عن سفره هذه التفاصيل تشير إلى وعي وإدراك ساعة وقوع الحادث آخذين في الاعتبار تسلسل الأحداث والوقت الضيق بينها وبين وقت الحادث الجدير بالذكر أن المتهم قد ركز كثيراً وردد تباعا حالته النفسية ومعالجته عند المشايخ وعيادة الأمراض النفسية وكأنه يود أن يبرر عمله بسبب هذا المرض مما يوحي بإدراكه ووعيه في هذا الصدد

أما حالته بعد الحادث فإن ما ذكره للبوليس عن أسفه وتأثره بوقوع الحادث يشير بطريق غير مباشر إلى إدراك كنه فعله فليس من الطبيعي الرجوع إلى صحوته بهذه السرعة أما إجابته عندما تليت عليه أقواله التي أدلى بها بعد الحادث مباشرة بأنه (ما عارف) فأمر يدعو إلى أخذها ضده لأن التفاصيل التي أدلى بها قبل وقت قصير من الحادث لجديرة بإثبات الإدراك والوعي بما فعله كما أن ما جاء من أقوال المتحري من أن المتهم كان هادئا وأقواله مرتبة يجب أخذها في الاعتبار

وعليه أرى أن المادة 50 حسب الوقائع والظروف والتفاصيل التي أوضحها المتهم قبل وبعد الحادث لا تنطبق في هذه الحالة

أما عن الفقرة 249(6) المستحدثة في قانون العقوبات لسنة 1974 فإنني أؤيد ما جاء في الحكم فلقد ثبت تماماً أن المتهم كان يعاني من مرض أثر عليه وأن حالته النفسية قد تصدعت بسبب عدة وقائع أثبتها التقرير الطبي وشهادة بعض الشهود والعجز الجنسي هذا بالإضافة إلى أن شهود الاتهام والدفاع قد نفوا معرفتهم لأي مديونية بين المتهم والمرحوم كما وعضد هذا المرحوم نفسه عند الإدلاء بأقواله في فراش الموت مما يشير إلى عدم وجود الدافع للفعل لذا فلا تثريب على المحكمة في تطبيق الاستثناء السادس الوارد في المادة 249 عقوبات

أما عن العقوبة فلا أتفق مع الأستاذ محامي أولياء الدم في أن الإدانة تحت المادة 253 عقوبات تعني السجن المؤبد فالمادة قد نصت بوضوح إلى السجن المؤبد أو عقوبة أقل وهذا ما طبقته المحكمة الكبرى

جاء في مذكرة محامي المتهم أنه يطلب تخفيف العقوبة احتياطيا لأسباب عددها

في اعتقادي أن هنالك عناصر ووقائع وردت في هذه القضية يستوجب أخذها في الاعتبار فالمتهم والمرحوم أبناء عمومة وسن المتهم وعدم وجود سوابق له جديرة بالاعتبار كما أن ظروف المتهم النفسية ومرضه وعجزه يشفعان له هذا بالإضافة إلى ما سبق أن ذكره المرحوم ساعة احتضاره لتأكيد عدم وجود مشاكل بينه وبين المتهم وأن الأخير مريض وهذه شفاعة لهذا المتهم وتبريراً من المرحوم لما فعله ابن عمه

لهذه الأسباب مجتمعة أرى تخفيض العقوبة إلى سبع سنوات سجناً

21/2/1980: القاضي بشير محمد صالح:      أوفــق 23/2/1980

القاضي د بشارة إبراهيم بشارة:       أوافــق

حكومة السودان ضد عوض الكريم محمد علي بكار

حكومة السودان ضد عوض الكريم محمد علي بكار

نمرة القضية: (م ع/ م ك/ 70/1982م)

المحكمة: المحكمة العليا العدد: 1982

المبادئ:

•  إثبات – الجنون – إثبات للدفع المخفف للمسئولية – عبء الإثبات على المتهم

•  إثبات – البينة الظرفية يجوز الإدانة بها بناء عليها

•  إثبات – بينة المحتضر بينة مقبولة

•  إثبات – الإدانة بناء على أقوال شاهد واحد – جواز الإدانة

عبء إثبات الجنون مثل الدفع بالمسئولية المخففة يقع على المتهم ويكفي لإثباته أن يقوم على الترجيح لا اليقين

3-   جرى القضاء واستقر على جواز الإدانة بناء على البينات الظرفية يشترط أن تكون مبينة على وقائع ثابتة دون شك معقول وبشرط أن يكون الاستنتاج المستمد من تلك الوقائع متعارضاً مع براءة المتهم أو إدانة أي شخص آخر غيره

2-   أن بينة المحتضر لإثبات السبب الذي أدى إلى وفاته تعتبر بينة مقبولة قانوناً حتى لو لم تؤخذ بواسطة قاضي ولو لم تكن في حضور المتهم ولم تؤخذ على اليمين بل حتى لو لم يكن من أدلى بها متوقعاً الموت وهي تكفي لإدانة المتهم متى ما أطمأنت المحكمة إليها وإن كان القضاء يتطلب تعضيد مثل هذه البينة سواءاً كان ذلك ببينة أخرى مباشرة  أو بقرائن الأحوال نظراً لخطورة جريمة القتل

–   يجوز للمحكمة إدانة المتهم بناء على أقوال شاهد واحد متى ما أطمأنت المحكمة إلى صحتها وصدق ما أدلى به

الحكم:

المحكمة العليا

القضاة :

سعادة السيد/ مهدي الفحل                نائب رئيس القضاء      رئيساً

سعادة السيد/ الأمين محمد الأمين تاتاي   قاضي المحكمة العليا     عضواً

سعادة السيد/زكي عبد الرحمن            قاضي المحكمة العليا     عضواً

 

حكومة السودان ضد عوض الكريم محمد علي بكار (م ع/ م ك/ 70/1982م)

المحامون :

عبد المجيد الإمام

عبد الوهاب محمد عبد الوهاب

الحكم

9/11/1982

القاضي / زكي عبد الرحمن

وفاء بنص المادة 250 من قانون الإجراءات الجنائية لسنة 1974م عرضت علينا إجراءات المحكمة الكبرى التي عقدت منذ التاسع عشر من إبريل 1980م لمحاكمة العميد طبيب عوض الكريم محمد علي بكار بموجب المادتين 251 و 375 من قانون العقوبات لسنة 1974م وفي 16/5/1982م أصدرت المحكمة الكبرى حكمها بإدانة المتهم بموجب المادتين وحكمت عليه بالإعدام شنقاً حتى الموت وفي يوم 19/5/1982م تقدم محامي المحكوم عليه بمذكرة يعلن بها نيته في تقديم الطعن في الحكم بعد استلام أسباب الإدانة وفي 5 يونيو تقدم بمذكرة بأسباب مقتضبة أشفعها بطلب لإمهاله لتقديم أسباب الطعن بحجة أنه لم يستلم أسباب الإدانة وأيضاً بحجة أن تلك الأسباب ستتعرض لمناقشة المادة 219 من قانون الإجراءات الجنائية ضمن مسائل أخرى ولما كانت المادة تستمد جذورها من قانون الإجراءات الهندي فإن الأمر يتطلب سفره للهند غير أن المحامي تقدم بطلب في  11/7/1982م يطلب مهله شهرين لأنه سيغادر البلاد في مهمة عاجلة خارج القطر وقد منح المهلة التي طلبها فتقدم بطعن في 13/9/1982م كما تقدم المحكوم عليه بشخصه بمذكرة بتاريخ 22/9/1982م وسنتعرض لما أثارته هذه المذكرات من نقاط عند مناقشة المسائل المتعلقة فيها ونتعرض لما هو منتج مما يتبقى منها في نهاية الحكم

تتحصل وقائع الحادث فيما يرد في موجز الوقائع كما توصلت إليه المحكمة الكبرى فيما يلي :-

في مساء يوم 25/12/1979م وفي حوالي الساعة التاسعة والنصف حضر المتهم بعربته المرسيدس ومعه أفراد أسرته أوقف عربته أمام الباب ووجد عربة تاكسي يقودها شاهد الاتهام الرابع يوسف اسحق بشر وطلب من الشاهد ثلاث مرات أن يبتعد له لينزل من العربة ابتعد الشاهد وادخل المتهم عربته لمنزله ثم عاد  دقائق للدكان الذي يملكه والملاصق لمنزله وكان يحمل بيده زجاجة بيبسي كولا فارغة ضرب بها على بنك الدكان وشتم المجني عليهم الأربعة الذين كانوا داخل الدكان ثم قال “دقيقة” ورجع لمنزله وعاد مرة أخرى وهو يحمل جردلاً عليه مادة ملتهبة قام بدلقه على بنك وسط الدكان ثم أشعل النار بعد ثقاب وقذف بالجردل جوار مكان الحادث ثم عاد لمنزله ودخل فيه

اشتعل الحريق بعنف في لحظة وأدى لوفاة المجني عليهم الأربعة الذين كانوا داخل الدكان كما أتلف الحريق كل البضاعة التي كانت بالدكان

أحد الجني عليهم لم يتوفى في الحال بل توفى بعد أربعة أيام وسجل أقوال محتضر في نفس ليلة الحادث – المجني عليهم الثلاث الآخرون توفوا في الحال ووجدت جثتهم متفحمة بعد إطفاء الحريق   المجني عليه الذي لم يتوف في الحال كان قد قفز خارج الدكان والحريق مشتعل في جسمه شاهد الاتهام الرابع شاهد كل الحادث وقدم بينة مباشرة كما كانت هناك عدة بينات ظرفية وأقوال فريق التحري وآخرين

استندت المحكمة الكبرى في إدانتها للمحكوم عليه على بينات مباشرة قوامها في المقام الأول رواية شاهد الاتهام الرابع يوسف اسحق بشير وهو شاهد العيان الوحيد للحادث وعلى أدلة ظرفية وأقوال المجني عليه الرابع المرحوم عبد الرافع أحمد عبد القادر والتي أدلى بها لقاضي وشهود آخرين كما استندت الإدانة على آراء خبراء في الحرائق والمعامل الجنائية وعلم النفس والتحليل النفسي وذلك بعد تحليل أدلة الدفاع والدفوع التي تقدم بها في مرافعته الختامية وقد كشفت المحكمة الكبرى في كل ذلك عن صبر ودقة تستحق عليهما الإشادة فقد استغرقت المحاكمة ما يزيد عن سنتين بسبب كثرة الشهود وطول استجوابهم بواسطة هيئة الدفاع وكثرة ما قدمه الدفاع من طعون في بعض قرارات المحكمة الكبرى وكانت تصل في كل مرة حتى المحكمة العليا ولعل هذه المحاكمة من أطول المحاكمات مادة إن لم تكن أطولها على الإطلاق

لم يلتزم الدفاع بخط واضح في البداية وإنما احتفظ بخط دفاعه وأعلنه فيما بعد حيث حشد له كل ما يخطر على البال من دفوع رغم ما يشوبها من تناقض إذ أن خط الدفاع جرى على النحو التالي :-

1-   المتهم غير مذنب تحت المادة 251 من قانون عقوبات السودان أو أي مادة أخرى أنه لم يسكب البنزين أو أي مادة ملتهبة أخرى في الدكان ولم يشعل فيه النار

2-   المتهم غير مذنب تحت المادة 375 من قانون عقوبات السودان أو أي مادة أخرى وذلك لأنه لم يسكب البنزين أو أي مادة ملتهبة أخرى في الدكان وأنه لم يشعل فيه النار

3-   على افتراض أن الفعل المشكو منه قد وقع من المتهم فإن هذا الفعل لم يكن سبباً في موت الأشخاص المذكورين

4-   على افتراض أن الفعل المشكو منه وقع من المتهم فإنه لم يكن قاصداً أو عالماً بأن الموت سيكون النتيجة النتيجة المرجحة لفعله

5-   على افتراض أن الفعل المشكو منه قد وقع من المتهم  فإنه لم يكن عالما بأن الموت سيكون النتيجة المحتملة لفعله

6-   على افتراض أن الفعل المشكو منه قد وقع من المتهم  فإن المتهم وقت ارتكابه الفعل كانت تعوزه القدرة  القدرة على ادراك ماهية افعاله أو السيطرة عليها بسبب الجنون المعروف بانفصام الشخصية شوزفرينا ( shozphrina ) وذلك تحت المادة 50 من قانون عقوبات السودان لسنة 1974م

7-   على افتراض أن الفعل المشكو منه قد وقع من المتهم  فان المتهم وقت ارتكابه الفعل كان واقع تحت تأثير اضطراب ناشئ من مرض عقلي إلى درجة تؤثر تأثيراً حقيقياً على قدرته في التحكم في أفعاله أو السيطرة عليها كما تنص المادة 249(6) من قانون عقوبات السودان لسنة 1974م

إن الدفوع المتناقضة مقبولة قانوناً متى ما قدمت في شكل بدائل وقد يكون مفهوماً أن يسعى الدفاع إلى الحصول على البراءة لموكله بأي وسيلة متاحة إلا أن مثل هذه الدفوع لا تستقيم عقلاً ولا منطقاً وتكشف عن اضطراب ينم عن عدم ثقة الدفاع في جدية أي من هذه الدفوع فالمتهم إما ألا يكون قد ارتكب الفعل كلية أو أنه ارتكبه دون أن يكون قد قصد أن يترتب عليه ما وقع من نتائج أو له فيما فعل ما يعفيه من المسئولية الجنائية أو ما يخففها عليه ولو أن الدفاع اتخذ خطاً واضحاً لدفع جدي لوفر لنفسه ولغيره كثيراً من الجهد ولموكله وضعاً أفضل مما هو فيه

أنه علينا أن نقرر أولاً في صحة إدانة المحكوم عليه بموجب المادتين 251 375 من قانون العقوبات لسنة 1974م وفي سبيل ذلك يجدر أن نشير إلى أن المادة الأولى تعاقب على جريمة القتل العمد وهي معرفة في المادة 248 من القانون نفسه على النحو التالي :” فيما عدا الأحوال المبينة في المادة 249 يعتبر القتل في الأحوال الآتية :-

(أ‌)         إذا كان الفعل الذي سبب الموت بقصد Yحداث الموت

(ب‌)     إذا كان مرتكب الفعل عالماً بأن الموت نتيجة راجحة لا مجرد نتيجة محتملة لفعله أو لأي ضرر جسماني كان مقصوداً إحداثه بذلك الفعل

أما المادة 375 فإنها تعاقب على جريمة الإتلاف كما هي معرفة في المادة 363 حينما تقع بوضع النار أو أي مادة أخرى ناسفة بقصد تسبيب التخريب أو مع العلم لأن ذلك سيسبب تخريباً لأي بناء يستعمل عادة كمكان للعيادة أو سكن الانسان أو مكان لحفظ المال

وفيما استقر عليه فقه القانون وقضاء المحاكم في السودان ودول العالم المتحضرة فإنه يتعين لإثبات جريمة القتل العمد إثبات الركن المادي وهو أن المتهم أتى بفعل أفضى إلى موت المجني عليه وكذا إثبات الركن المعنوي وهو أنه كان قاصداً تسبيب موت ذلك الشخص أو كان عالماً بأن الموت هو النتيجة الراجحة لا مجرد المحتملة لفعله

وقد انتهت عقيدة المحكمة الكبرى إلى أن هذه العناصر ثابتة في حالة المحكوم عليه واستندت المحكمة الكبرى في الوصول إلى هذا القرار وفيما أشرنا من قبل إلى أدلة متنوعة منها الدليل المباشر ومنها البينة الظرفية وأقوال المحتضر وآراء خبراء أما الدفاع فقد عول على عدم صحة قبول هذه الأدلة لأسباب مادية وأخرى قانونية كما قدم من جانبه بعض الشهود لدفع الجريمة عن المحكوم عليه واستند أيضاً على إفادة المحكوم عليه نفسه عن تحركاته ليلة الحادث والتي تنفي عنه واقعة ارتكاب الحادث

ولأن مدى صحة ثبوت أركان الجريمة يرتبط بمدى قوة الدفوع التي طرحها الدفاع فإنه يتعين تناول عناصر الجريمة واحداً تلو الآخر مع ما أثاره الدفاع بشأن كل واحد منها وسنتناول فيما بعد بعض النقاط مما أثارها الدفاع والمحكوم عليه في طعنيهما أمامنا

البينة المباشرة :

لقد ورد على لسان شاهد الاتهام يوسف اسحق بشير أقوال متسقة في كافة مراحل إجراءات هذا الحادث (مرحلة التحري والتحقيق القضائي ثم مرتين في مرحلة المحاكمة) وبأنه وفي أثناء وقوفه بعربته التاكسي بالقرب من الدكان الذي وقع فيه الحادث حضر المحكوم عليه بعربته ومعه أفراد أسرته وطلب منه أن يفسح له الطريق وكرر عليه ذلك ثلاث مرات وعندما أفسح له الطريق فتح المحكوم عليه باب منزله وهو مجاور للدكان وأدخل عربته ثم قفل راجعاً بعد بضعة دقائق وهو يحمل زجاجة بيبسي كولا فارغة وتوجه إلى الدكان حيث وجه في حده كلمات نابية لمن كانوا بداخله حيث قال “اطلع بالطيب ويطلع معاكم اللوطي ديه” وعاد إلى منزله وخرج مرة أخرى وفي يده جردل زنك به بنزين (ذكر الشاهد أنه كان بنزين سيوبر وذلك من رائحته ولونه) ودلق محتويات الجردل في الدكان وتقهقر للخلف قليلاً وأشعل عوداً من الكبريت في الدكان ورمى الجردل بالقرب من مكان الحادث ودخل منزله تاركاً الباب الخارجي مفتوحاً

وقد عقد في اليوم الثاني طابور شخصية تعرف فيه الشاهد على المحكوم عليه مرتين وأكد في المرة الثالثة أن المحكوم لم يكن من المشتركين في الطابور وكان المحكوم عليه قد استبعد فعلاً من الطابور

هذه الشهادة تشكل بينة مباشرة وهي كافية وحدها لإثبات الركن المادي فليس من قانون يمنع قبول مثل هذا الدليل حتى وإن وقف دليلاً يتيماً متى ما اطمأنت المحكمة إلى صحته وصدق من أدلى به وقد أطمأنت المحكمة الكبرى إلى صدق شاهد الاتهام الرابع لأنها وجدت في سياق الأدلة من البينات الظرفية ما يؤكد ذلك فسرعة التهاب المكان وانتشار النار والعثور على جردل بالقرب من الدكان ثبت أنه من زنك ووجود تنك البنزين في عربة المحكوم عليه مفتوحاً مع وجود وصلة خرطوش من ذلك النوع الذي يستعمل لسحب البنزين من تنك العربة وصحة واقعة وجود منزل المحكوم عليه لصق الدكان وإقرار المحكوم عليه نفسه بواقعة حضوره في تلك الليلة وطلبه من الشاهد افساح المكان له وتعرف الشاهد عليه دون غيره ومن أول وهلة كلها قرائن تؤكد صحة رواية الشاهد وأهليته للتصديق

إن الدفاع يعول على بعض النقاط في طلبه لاستبعاده هذا القليل المباشر وممن ذلك أن الشاهد كذب عندما ذكر للشرطة عند التحري معه بأنه سائق تاكسي في وقت ثبت فيه أنه جندي في القوات المسلحة ويقيننا أنه ليس فيما ذكره الشاهد ما يقوم دليلاً على الكذب بقدر قليل من أهليته التصديق فقد كان وقت الحادث يعمل في عربة تاكسي وسواء كان يعمل ذلك بنية الهروب من القوات المسلحة أو كان يعمل على زيادة دخله في وقت فراغه فإن صفة سائق تاكسي تنطبق عليه بنفس القدر الذي تنطبق عليه صفة الجندي

ويعول الدفاع أيضاً على أن الشاهد ذكر أن البنزين الذي كان يحمله المحكوم عليه “سيوبر” في وقت ثبت فيه أن العربة كان بها بنزين (عادي) ولعل هذه الحجة نشأت من النظرية التي أثارها الاتهام من أن البنزين الذي دلقه المحكوم عليه في الدكان قد أخذ من تنك عربة المحكوم عليه غير أنه لا يغير من الأمر شيئاً ما إذا كان البنزين الذي أشعلت به النار في الدكان بنزيناً سيوبر أو بنزين عادي تماماً كما لا يغير من الأمر شيئاً أن ذلك البنزين سحب من العربة أو كان معداً ومحفوظاً في مكان ما آخر في منزل المحكوم عليه خاصة وقد أقر المحكوم عليه نفسه أنه اعتاد آنذاك على الاحتفاظ ببعض البنزين للطوارئ نسبة للشح فيه

ثم إن الشاهد كشخص يعمل في عربة وإن أمكن أن يخطئ في تمييز البنزين العادي من السيوبر بمجرد النظر لا يمكنه أن يخطئ في كون المادة التي اشتم رائحتها ورآها بنزيناً أو خلاف ذلك ويكفي أن يلتهب الدكان كله في لحظة كما حدث في هذا الحادث بمجرد إشعال عود الثقاب ليكون من المؤكد أن المادة التي دلقها المحكوم عليه من المواد شديدة الالتهاب التي لا تخرج عن البنزين (كان سيوبر أو عادي) أو ما شابهه من المواد البترولية

ويرى الدفاع أن شاهد  الاتهام الرابع قد ذكر أن اللهب كان أحمر اللون (نار حمراء) ووجد فيما ورد على لسان بعض الشهود أن السنة النار كانت بألوان مختلفة ما يقوم دليلاً على عدم صدق الشاهد وهذه الحجة مردود عليها بأن من يرى النار تشب أمامه فجأة لا يمكن أن يكون من برود الأعصاب وصفاء الذهن  ما يجعله ينتبه إلى تميز ألوان اللهب وأنه يتفرج على فلم سينمائي  بالألوان أن ما يشد انتباه الرائي في مثل هذه الحالات هو منظر النار كشئ مطبوع في ذهنه  ودون تفاصيل وهو لا يتعدى النار الحمراء ويطعن الدفاع في طابور الشخصية بأن القرائن تشير إلى أن الشاهد قد رأى المحكوم عليه قبل أن يجري طابور الشخصية ما يبطل في نظره نظرة الطابور كله بيد أن مجرد  الاحتمال لا يكفي لإبطال الطابور إذ أن هذا ادعاء وبهذه الصفة ينبغي إثبات على وجه اليقين أو على الأقل على وجه لا يثير شكاً معقولاً أو حتى بالترجيح وخلافاً لذلك فإن هذه الحجة لا تتعدى مجرد الادعاء بل وأن بعضاً مما ذكره المحكوم عيه يتنافى واحتمال هذه النظرية فقد أكد المحكوم عليه أنه لم يرى الشاهد إلا أمام منزله ليلة الحادث وبعد ذلك في طابور الشخصية فإذا كان هناك احتمال لمشاهدة الشاهد للمحكوم عليه عندما كانا في مكانين منفصلين من نفس المبنى الذي اقتيد إليه لإجراء التحري فإنه كان من المحتمل أن يكون المحكوم عليه قد شاهد الشاهد هناك أيضاً وهو ما لا يدعيه المحكوم عليه نفسه

أما إذا كان الدفاع يرمي إلى القول بأن الشاهد قد وضع عمداً في مكان يرى فيه المتهم دون أن يراه المتهم فتلك نظرية لم يفصح عنها الدفاع وحسناً فعل لأنها نظرية تنطوي على اتهام خطير لسلطات التحري ليس من سند له في المحضر على أن حقيقة الأمر لا تتعدى أن الشاهد قد تعرف على المحكوم عليه نظراً للثابت من أنه كان قد تمعن فيه عندما كان يقف أمام منزل المحكوم له وطلب منه الأخير عدة مرات أن يفسح له المجال

وفي مقابل هذه البينة المباشرة وفي محاولة للنيل منها يفسر لنا الدفاع لماذا أوقع شاهد الاتهام الرابع بالمحكوم عليه وليست بينهما أية صلة أو عداوة وقد كان التفسير الوحيد ما قدمه المحكوم عليه بنفس في مذكرته المكتوبة للمحكمة الكبرى وهو إما أن الشاهد نفسه هو الذي تسبب في الحريق أو أن الحريق شب من مواد بترولية كان يقوم بتخزينها المجني عليهم وخشي الشاهد أن تتجه أصابع الاتهام إليه فاتهم بها المحكوم عليه

غير أن هذا التفسير غير مستساغ وربما كان مقبولاً لو أن البينة الوحيدة هي بينة شاهد الاتهام الرابع أما وأنه هناك بينة أخرى مقبولة تسند بينة هذا الشاهد (وهي أقوال المحتضر عبد الرافع فإن هذا التفسير لا يكون مقبولاً)

وبالإضافة لهذا التفسير وفي محاولة أخرى للنيل من البينة المباشرة قدم الدفاع شاهدة هي شهادة الدفاع الحادية عشر محاسن أحمد البشير التي ادعت أنها كانت في الدكان الذي وقع فيه الحادث قبل دقائق من نشوب الحريق وأنها شاهدت جمراً داخل الدكان كان لإعداد الطعام وأنه لم تكن هناك عربة تاكسي في ذلك الوقت أمام الدكان

غير أن المحكمة الكبرى لم تأخذ برواية هذه الشاهدة نسبة لما ثبت لدسها من تلفيق منها لها وذلك تبين من سجل المواليد في المستشفى أنه لا يحوي مولوداً للمرأة التي ادعت الشاهدة أنها كانت تمارضها ليلة الحادث وحيث أن القرار في صدق الشهود من إطلاقات محكمة الموضوع وحيث أن موازنة الأدلة والقرائن تسند صدق شاهد الاتهام الرابع وكذب شاهدة الدفاع الحادية عشر فإنه لا تثريب على المحكمة الكبرى في طرحها لشهادة شاهدة الدفاع الحادية عشرة والاستناد إلى شهادة شاهد الاتهام الرابع

مما سبق فإن إشعال المحكوم عليه للنار في الدكان واقعة ثابتة بالبينة المباشرة التي لا يتطرق إليها أي شك وذلك رغم الجهد المضني الذي بذله الدفاع في نفي ذلك

أما النتائج المادية التي ترتبت على ذلك فهي احتراق ثلاثة ممن كانوا في الدكان لدرجة التفحم الكامل وقد ثبت فيما بعد أنهم كانوا المجني عليهم الطيب بابكر مصطفى وأبو علامة خلف الله وعباس محمد أحمد وقد ثبت أيضاً بالبينة المباشرة وقرائن الأحوال أن المجني عليه الرابع عبد الرافع احمد عبد القادر تمكن والنار مشتعلة فيه من القفز خارج الدكان ولاذ بالمستشفى الذي يقع في الجانب الآخر من الشارع ولكنه رغم ما بذل من مجهود لانقاذ حياته  فارق الحياة في اليوم الرابع بعد يوم الحادث وقد ثبت بالدليل الطبي أن المجني عليهم الأربعة ماتوا بسبب الاحتراق بالنار

بينة المحتضر :

لقد كان من ترتيب الأقدار أن أحد المجني عليهم وهو المرحوم عبد الرافع احمد عبد القادر استطاع أن يقفز عبر النيران ليعيش حوالي أربعة أيام وفي نفس ليلة الحادث روى ما حدث لشاهدي الاتهام الثاني والتاسع وهما من ضباط الشرطة وللطبيب الذي كان يشرف عليه وقد دونت أقواله في الصباح الباكر من اليوم التالي بواسطة قاضي الجنايات وقد اتسقت أقوال المجني عليه الرابع في أن المحكوم عليه وقد سماه بالاسم ووصف منزله ومكان عمله – قد حضر إليهم في الدكان ودلق بنزيناً على الدكان وأشعل فيه النار

إن مثل هذه البينة مقبولة قانونيا كبينة مستقلة ولا حاجة لقبولها أن تكون قد أخذت بواسطة قاضي ولا أن تكون في حضور المتهم وبعد أن يؤدى المجني عليه القسم بل ولا حاجة لأن يكون المجني عليه في حالة احتضار أو متوقعاً الموت فرغم أن محاكمنا قد أصدرت أحكاماً متضاربة (انظر كريشنا ما سديق في كتابه باللغة الانجليزية عن قواعد الإثبات في السودان على الصفحات من 433 إلى 442 فإن ما استقر عليه قضاؤنا هو قبول هذه البينة (حكومة السودان ضد أحمد عباس أحمد وآخر مجلة الأحكام القضائية لسنة 1985م ص 553) ولو كانت هناك تحفظات في شأن تطبيق هذه القاعدة فإنها تتصرف لا إلى مبدأ قبول مثل هذه البينة وإنما إلى وزنها وما زال متاحاً للمحكمة  أن تحكم اعتماداً عليها متى ما أطمأنت إليها (انظر حكومة السودان ضد الطيب علي موسى – مجلة الأحكام القضائية لسنة 1975م ص 565) وحيث أن الجرائم الخطيرة تحتاج إلى نظرة أكثر دقة لخطورة ما تترتب على الإدانة فيها من نتائج فإنه يتعين الاطمئنان إلى وجود ما يعزز مثل هذه البينة (حكومة السودان ضد آدم عبد الكريم عبد الله  م  ع/ م ك/95/ 1978 المنشورة على صحيفة 111 من نشرة الأحكام الشهرية أكتوبر نوفمبر / ديسمبر 1978م

أما مقدار التعزيز أو التعضيد الذي يكفي لقبول مثل هذه البينة فلا يشترط فيه أن يكون بينة مباشرة وتسترشد محاكمنا في مثل هذا الشأن بما قاله لورد ديننج( ) في قضية :

RV Baskerville 1916 2k B 658

حيث قال :

The corroboration need not be direct evidence; that accused committed the crime; it is sufficient if it is merely circumstantial of his connection with the crime were the law otherwise many crimes which are usually committed between accomplices in secret could never be brought to justice

في وقت كان فيه المبدأ الساري في السودان هو أنه لا بد من تعزيز بينة المحتضر فإن أقوال المحتضر والتي تقدم من مصادر مختلفة اعتبرت كافية لتعزيز تلك الأقوال (انظر حكومة السودان ضد شارلس كيرمان مجلة الأحكام القضائية لسنة 1956م ص 35)

وعلى هذا فإن أقوال المرحوم عبد الرافع تجد تعزيزاً كافياً في الروايات المطابقة لما دونه القاضي في تلك الروايات التي قدمها ثلاثة شهود أدوا إفاداتهم أمام المحكمة الكبرى وهم علي اليمين

إن هذه البينة وحدها لا تكفي لإدانة المحكوم عليه خاصة وهذا المجني عليه كان يعمل في الدكان ويعرف المحكوم عليه معرفة تامة ومع ذلك فإن أقل ما في هذه البينة أن لها أثر مباشر آخر هو تعزيز ‘افادة شاهد الاتهام الرابع يوسف اسحاق بشير فهي متطابقة في جوهرها مع ما رواه هذا الشاهد ولكن الدفاع يرى في هذا التطابق رأى آخر إذ أنه يرى أن المرحوم عبد الرافع كان تحت تأثير المورفين وربما أيضاً تحت هيمنة الحريق وكان الدفاع بهذا يرى أن المرحوم كان يهذي على أنه لو كان للمورفين أو الحريق أن يقمص الشخص روحاً تقرأ ما يدور في خلد شخص آخر لا صلة له به ولم يقابله في أي وقت أثناء الحادث أو بعده فإن هذا يكون معجزة لا تدركها عقولنا كبشر

لقد قدم الدفاع في محاولة لنفي ارتكاب المحكوم عليه بالفعل المنسوب إليه شاهداً آخر هو شاهد الدفاع الأول ابراهيم حامد والذي فحص التوصيلات الكهربائية في الدكان وخرج بنظرية تقول أن النار قد شبت بسبب خلل بتلك التوصيلات

وقراءة أقوال الشاهد لا تنتهي بأي قدر من الجزم بأن الكهرباء كانت هي السبب في الحريق  فالأمر لا يتعدي الاحتمالات وهي من الأمور التي لا خلاف عليها هذا فضلاً عن وجود بينة مباشرة عن سبب الحريق وهي بينة أقوى وأفضل من كل رأي مهما علا شأن قائله ثم إن أقوال الشاهد لا تتفق مع العقل والمنطق فإذا كانت النار قد شبت من توصيلة كهربائية فإنه لا يعقل أن يلتهب الدكان كله في لحظة وحتى إذا أن هناك مواد قابلة للاشتعال فإنها ما كانت لتلتهب بهذه السرعة إلا إذا كانت تلك المواد بتروليا أي تتعدى المواد التي ثبت انها كانت بالدكان كالبف باف إما اذا كان من رأي الدفاع أن الدكان كانت به مواد بترولية وتلك نظرية ليس في الأدلة ما يسندها بل والبينة المباشرة تشير إلى أن الظروف التي شبت فيها النيران ابتداء ووجود مواد أخرى مساعدة داخل الدكان لا ينفي مسئولية إشعال الحريق

مما تقدم يتضح ان قرار المحكمة الكبرى بان المحكوم عليه هو الذي قام بإشعال النار في الدكان قرار يقوم على دعائم سليمة من الأدلة لا يتطرق إليها أي شك ومن الثابت بعد هذا أن هذا الفعل هو الذي أفضى إلى وفاة المجني  عليهم الأربعة فهذا ما لا يحتاج إلى اكثر من الواقع الذي رواه الشهود وأكدته التقارير الطبية المقدمة للمحكمة

البينة الظرفية

لقد استندت المحكمة الكبرى – دونما حاجة منها لذلك – على بينات ظرفية يتجه إلى إثبات ظروف اشتعال النار في الدكان وقد وجد الدفاع في هذا الشأن ما يجعله قاصراً من إثبات الحلقة التي يتطلبها القانون لقبول البينات الظرفية

ولو كانت البينات الظرفية هي وحدها أساس الإدانة لصح ما ادعاه الدفاع إذ أن المبدأ الذي استقر عليه قضاؤنا هو أنه ينبغي لقبول البينات الظرفية كدليل للإدانة أن تستوفي شرطين أساسين هما أولاً أن تكون مبينة على وقائع ثابتة دون شك معقول وثانياً أن يكون الاستنتاج المستقى من تلك الوقائع متعارضاً مع براءة المتهم أو إدانة أي شخص آخر غيره فهذا المبدأ هو ما أكدته هذه المحكمة في قضية محمد مرة بحر : م ع/م ك/ 172/1973م المنشورة على صحيفة 371 من مجلة الأحكام القضائية لسنة 1973م وذلك بعد استعراض أحكام سابقة في ضوء ما يسود في الهند كمصدر رئيسي لمحاكمنا لقواعد الإثبات المعمول بها في السودان

غير أن المحكمة الكبرى في هذه القضية لم تستند ولم تكن على أية حال في حاجة إلى أن تستند إلى البينات الظرفية في الوصول إلى قرار بشان نشوب الحريق و إنما كانت تسعى وهي محقة في ذلك إلى البحث عن أدلة تؤكد صحة ما رواه شاهد العيان (وهو شاهد الاتهام الرابع) ووجدت في بعض الأدلة الظرفية عن بعض التفاصيل ما يجعلها تطمئن إلى صدق ما قاله هذا الشاهد ولا يغير من الأمر شيئاً أن تكون بعض الأدلة التي أشارت إليها المحكمة الكبرى غير ثابتة على وجه اليقين كفصل المحكوم عليه التيار عن منزله أو خلو الشارع بسبب العطلة أو اضطراب المتهم عقب الحادث

ولو اقتصر أثر البينات الظرفية كلها والتي قدمت في القضية على هذا الاطمئنان من جانب المحكمة لكفاها ذلك وفيما ذكرنا من قبل فإن التعزيز لا يشترط أن يكون بينة مباشرة ويكفي لهذا الغرض أن تكون البينة ظرفية وقد وجدت هذه البينة لتعزيز التفاصيل التي تؤكد صحة رواية الشاهد وقد خدمت بينة الخبراء التي قبلتها المحكمة الكبرى غرضاً مماثلاً

القصد الجنائي :

يشترط في الجريمتين المنسوبتين للمحكوم عليه أن يكون قاصداً إحداث الأثر الذي ترتب عليه فعله والأثر المترتب على فعل المحكوم عليه في هذه القضية هو موت أربعة أشخاص واحتراق دكان كامل بما فيه من بضائع قيمتها بالآلاف

ولأن القصد اتجاه ذهني فإنه يستحيل إثباته بطرق الإثبات المعتادة فلا مجال لإثباته ببينة مباشرة إلا إذا أعلن المتهم نفسه عن قصده صراحة وهذا ما لا يحدث إلا نادراً حيث أن حب الحياة والحرية عادة يطغى على الشهامة والشجاعة والصدق وكل القيم الإنسانية التي من شأنها أن تدفع الجاني إلى الإقرار بجنايته

ولهذا فقد وضعت المحاكم بعض المعايير التي من شأنها أن تساعد على الوصول إلى قصد المتهم ولا ريب في أن ذلك يختلف مع اختلاف نوع الجريمة وما هو مطلوب لارتكابها والضرر المترتب على الفعل

وفيما يتعلق بجريمة القتل فان المعايير التي اختطتها المحاكم لاستنتاج القصد هو نوع الآلة المستعملة مواقع كيفية استعمالها (انظر مثلاً حكومة السودان ضد عيسى علي احمد م ع أ /م ك/ 74/71 المنشورة على صحيفة 230 من مجلة الأحكام القضائية لسنة 1972م

على أن قانون العقوبات قد وضع معياراًن آخر عاماً لتقصي الحالة الذهنية التي تجعل لمتهم مرتكباً لجريمة القتل العمد وهو أن يكون المتهم عالماً بأن الموت هو النتيجة الراجحة وليست مجرد المحتملة لفعله وقد جرى العمل على مساواة مثل هذا العلم بالقصد في إحداث الموت

والعلم هنا ليس العلم الذاتي للمتهم وحده بل يكفي أن يكون علماً حكيماً يفترض على المتهم باعتباره شخصاً عاقلاً يفترض عليه أن يكون عالماً بما يدركه كل شخص عاقل وعلى هذا فإن المعيار موضوعي ويتم التوصل إليه من ظروف الحادث وقد عرف القانون عبارة (احتمال) ولكنه لم يعرف عبارة (الراجحة) إلا أن هاتين العبارتين تقابلان عبارتي likely و probable على التوالي واللتين كانتا تردان في قانون عقوبات السودان لسنة 1925 وقد وجدت هاتان العبارتان تحت ظل ذلك القانون دراسة وافية من المحاكم (انظر) حكومة السودان ضد كيتي جيلو مجلة الأحكام القضائية لسنة 1960م ص 60 وحكومة السودان ضد كمال الجاك – مجلة الأحكام لسنة 1965 ص 65 وحكومة السودان ضد محمد آدم أونور مجلة الأحكام القضائية لسنة 1963 ص 157 وحكومة السودان ضد عمر ابراهيم ابكر مجلة 1968 ص 74 ) وخلصت كل هذه الأحكام بالنسبة لتعريف ما هو محتمل الى تفسير مطابق لما ورد لعبارة (احتمال) في قانون العقوبات لسنة 1974(المادة 20 أ) أما بالنسبة لعبارة probable المقابلة لعبارة راجحة فقد خلصت الأحكام الى انها تعني ان تكون في عدم حدوث الموت ما يثير دهشة الرجل العادي

وعلى هذا جرى قضاء المحكمة العليا في السابقة الحديثة حكومة السودان ضد محمد صديق السيد نمرة م ع / م ك/ 19/1975م وهي منشورة على صحيفة 408 من مجلة الأحكام القضائية لسنة 1975م حيث ورد فيها ما يلي على صحيفة 410

( أما بالنسبة للنتيجة المرجحة (هكذا) حسب معيار الذي توصلت إليه محاكمنا وكما استقر لدى قضائنا العالي فإنها تتوفر إذا كان عدم حدوث الموت يثير دهشة الرجل العادي أي أن الرجل العادي كان سيندهش إذ لم يمت المصاب نتيجة لما لحق به من أذى

وتطبيقاً لهذه القاعدة توصلت المحكمة الكبرى في القضية المطروحة أمامنا إلى أن استعمال البنزين وهو مادة شديدة الالتهاب وواسعة الانتشار في دكان ليس به غير منفذ واحد وحتى هذا المنفذ نفسه يعترضه بنك ارتفاعه اكثر من متر وفي وجود نزاع سابق مع المجني عليهم حول الدكان وما ثبت لديها من تدبير من جانب المحكوم عليه وطريقة دلق البنزين وجدت في كل هذه الظروف ما يثبت أن المحكوم عليه كان قاصداً إحداث الموت أو أنه كان يعلم على الأقل أن الموت هو النتيجة الراجحة لفعله

أما الدفاع فإنه يرى أنه لم يكن هناك ثمة تدبير للجريمة و انما كان الحادث بعد المشادة الكلامية وأن المتهم لو كان يقصد قتل المجني عليهم لما طلب منهم الخروج وأنه كان هناك متسع من الوقت بين وعيد المتهم عندما قال دقيقة وذهابه لإحضار البنزين وانه كان بإمكان المجني عليهم القفز طلباً للنجدة عندما بدأ المتهم في فعله وأن الثابت أن كمية البنزين التي يفترض ان المتهم قد سحبها من تلك العربة قليلة بحيث لا يمكن أن تشعل حريقا كالذي نشب وبالتالي لم تكن كافية لإحداث الموت

ونحن لا يسعنا إلا أن نتفق مع المحكمة الكبرى في قرارها بأن المحكوم عليه كان على الأقل عالماً بأن الموت هو النتيجة الراجحة لفعله فالبنزين مادة خطرة شديدة الالتهاب سريعة الانتشار وكميته لا تكون مسألة جوهرية اذا ما تعدت قدراً معيناً اذ يكفي القليل منه لإشعال نار يعتمد استمرارها على المقدار من جهة وعلى العوامل الأخرى المساعدة والتي تكون موجودة في المنطقة ورغم أن كمية البنزين التي دلقها المحكوم عليه غير مؤكدة المصدر والمقدار فان الثابت من إفادة شاهد الاتهام الرابع هو أن الكمية تقارب سعة الجردل الذي حمل فيه المحكوم عليه ذلك البنزين وكمية كافية لحرق المجني عليهم

ومن الثابت أن المحكوم عليه دلق البنزين في وسط الدكان (كشح) كما ورد في رواية شاهد الاتهام الرابع والمجني عليه عبد الرافع وهو المكان الذي كان فيه المجني عليهم وبذلك فإن الراجح هو أن البنزين قد اندلق فيهم أو حولهم ومما هو معروف أن البنزين إذا علق بشيء ثم اشتعلت فيه النار فانه يصعب إطفاء النار إما القول بأنه كان في إمكان المجني عليه مغادرة الدكان أما على اثر وعيد المحكوم عليه مباشرة أو أثناء إعداده لإشعال النار فهو رأي لا يمكن قبوله فمن الواضح أن المجني عليهم كانوا يتصورون أن وعيد المحكوم عليه كان يمكن ان ينتهي بهذه الطريقة الدرامية أما بعد أن صار الأمر واقعاً فانه من غير المتوقع ولا المطلوب من المجني عليهم أن يتملكوا زمام عقولهم أمام النيران التي كانت تحيط بهم ليفكروا في القفز طلباً للنجاة

ومن الواضح أن حدة النيران قد شلت أفكارهم وأجسادهم على حد سواء وذلك أمر مفهوم في ضوء واقع الدكان الذي كان يعلمه المحكوم عليه ورغم ان العبرة في الاحتمالات لا تكون إلا بالظروف وقت الحادث إلا أن ما حدث فعلاً يلقى ضوءا كافياً على الاحتمالات لحظة نشوب الحريق إذ أن الشخص الوحيد الذي ملك زمام أمره وقفز خارج الدكان (هو المجني عليه عبد الرافع) لم يسلم من الحريق هو الآخر وكانت نسبة الحريق فيه 95 % وقد قضى نحبه تماماً كرفقائه الذين بقوا داخل الدكان

أنه لما لا يقبل عقلاً ولا قانوناً أن يرتكب إنساناً فعلاً إجرامياً كالذي فعله المحكوم عليه ويحتج بأنه كان على فرائسهم  أن يتدبروا أمر نجاتهم فالمحكوم عليه طبيب يعلم أثر النيران على جسم الإنسان خاصة عندما تكون باشتعال مادة البنزين   ويؤكد علمه هذا وخلافاً لما يدعيه الدفاع أنه أي المحكوم عليه – أدرك خطورة الاشتعال عليه هو ذاته حتى وهو خارج الدكان ولهذا خطأ إلى الخلف قبل أن يشعل عود الثقاب

لقد اكتفى الدفاع في مرافعته الختامية أمام المحكمة الكبرى بإطلاق ادعاء مجرد بأن الموت لم يكن نتيجة راجحة لفعل موكله وكذلك أنه لم يكن نتيجة محتملة وذلك لأنه في تقديره أنه الرجل العادي يندهش إذا نتج الموت عن ذلك الحادث وأن ذلك الرجل العادي ما كان ليندهش إذا لم ترتب الموت عن الحادث (صحيفتي 262 و 263 من المرافعة الختامية المشار إليها) ولعل الدفاع يعلم بوجود رجل كهذا إلا أنه لا علم لنا بمثل هذا الرجل فإنه رجل لا يمكن وصفه بأنه عادي

وبهذا فإن أركان جريمة القتل العمد تكون قد ثبتت كلها وبذلك صحت الإدانة وفقاً لها ومن باب أولى أن تكون الإدانة بموجب المادة 375 من قانون العقوبات صحيحة هي الأخرى فالذي قصد تسبب الموت لأربعة من البشر لا يمكنه أن يكون قد أغفل من حسابات قصد إتلاف البضائع التي كانت بالدكان خاصة والدلائل كلها تشير إلى أن إخلاء الدكان هو الدافع الأساسي لهذه الجريمة

كل هذا مع العلم باحتمال حدوث التلف وحده كاف لإثبات هذه الجريمة لقد تعرضت المحكمة الكبرى إلى الإستثناءات الواردة في المادة 249 التي من شأنها أن تنزل بالجريمة من القتل العمد إلى القتل الجنائي فلم تتوقف إلا في الاستثناءات السادس وهو يقرأ كما يلي :-

(لا يكون القتل عمداً إذا كان الجاني وقت ارتكاب الفعل واقعاً تحت تأثير اضطراب ناشئ عن تخلف أو اصابة أو مرض عقلي إلى درجة تؤثر حقيقياً على قدرته في التحكم في أفعاله أو السيطرة عليها ولأن الدفاع قد اتخذ في خط دفاعه الاحتياطي دفعاً بموجب المادة 50 من قانون العقوبات فإن المحكمة الكبرى بحثت أولاً في مدى ثبوت هذا الدفع ولكنها قررت عدم ثبوته وبعدها قررت عدم ثبوت الاستثناء الوارد في المادة 249 (6)

إن المادة 50 من قانون العقوبات تقرأ كما يلي :

(لا جريمة في فعل يقع من شخص تعوزه وقت ارتكاب ذلك الفعل القدرة على إدراك ماهية أفعاله أو السيطرة عليها بسبب الجنون الدائم أو المؤقت أو العاهة العقلية)

والمستقر قضاء لإثبات هذا الدفع هو ما قرره القاضي أبو رنات رئيس القضاء في قضية حكومة السودان ضد عبد الوهاب عبد السخي المنشورة في مجلة الأحكام القضائية لسنة 1961م ص 110 حيث قال ص 111

To establish a defence on the ground of insanity ; it must clearly be proved that at the time of committing the act , the accused was labouring under such a defect of reason as not to know the nature and quality of the act he was doing ,or if he did know , he did not know he was doing what was wrong The mere fact that on former occasion the  accused had been occasionally subject to insane delusions , or had suffered from derangement of the mind , or that subsequently he had at time behaved like a mentally deficient person is per se insufficient to bring his case within this exception

وبموجب المنشور الجنائي رقم 21 وما استقر عليه القضاء في تطبيقه فإن واجب إثبات الجنون يقع على عاتق الدفاع خاصة في الحالات التي يكون فيها للمتهم ممثل دفاع

غير أن المستقر قضاء أيضاً هو أن عبء الإثبات ليس فوق الشك المعقول وإنما يكفي أن يكون بموازنة الأدلة أو الاحتمالات وأن مدى ثبوت الجنون قرار قضائي  وليس قرار طبياً

فكما قالت السلطة المؤيدة السابقة في قضية السودان ضد خضر عبد الله الحسين (مجلة الأحكام لسنة 1966 ص 110)

Accordingly , therefore , it is the duty of the accused to put forward all the facts upon which he relies and endevour to satisfy the court of the genuineness and … truth of his defence In order to arrive at a vivid picture  as far as human capacity can do , the court should  sift all facts and circumstances available , commencing from accused’s past  history , his disposition at the time he committed the act and his demeanour shortly … after , and there after including his demeanour at trail , and the court has to call to its aid expect evidence whenever it can do so and should give it due weight and not dismiss it with case , having in mind that the utterance whether the accused was sane or not lies at the  end with the court , that experts duty is merely to assist the court and give his considered opinion whether a certain set of facts is indicative of insanity

وقد وضعت هذه السابقة قائمة بما يجب عمله لمراقبة سلوك المتهم بغرض الوصول إلى حالته العقلية وهي :-

(أ‌)       وضع المتهم تحت المراقبة الطبية

(ب‌)   جلب أدلة عن أسلافه

(ج)  مراقبة سلوكه في المحكمة

(د)  مراجعة ما إذا كانت الجريمة مصحوبة بدافع

(هـ) دراسة ظروف الجريمة لمعرفة مدى ما تكشفه عن وعي وإدراك من حيث اختيار السلاح وطريقة استعماله

(و) النظر فيما إذا كانت هناك محاولات لإخفاء الجريمة سواء قبل ارتكابها أو أثناء أو بعد ذلك

(ز) دراسة ظروف ارتكاب الجريمة من حيث اختيار الوقت والمكان وتحين الفرص

(ص) ما إذا كان المتهم قد وجد مساعدة من شريك

(ط) دراسة الكلام الذي صدر من المتهم عقب الحادث

وقد جرى قضاء المحكمة العليا مؤخراً على هذا النهج (حكومة السودان ضد حسين عباس عبد القيوم م ع /م ك/ 146/79) المنشورة في نشرة الأحكام الشهرية لأكتوبر /نوفمبر / ديسمبر 1980 ص 15

وفي القضية المطروحة الآن اكتفي بشاهد واحد هو الدكتور عزيز حنا استاذ علم النفس بالجامعات المصرية اتجه إلى القول بأن المحكوم عليه يعاني من مرض يسمى  الشازويد يثيره السكر أو الإرهاق أو الغضب وأن تلك الحالة تؤدي إلى أن يأتي المحكوم عليه تصرفات لا يدركها ثم ينساها تماماً غير أن شاهدي المحكمة الدكتور يحي توفيق الرخاوي ودكتور يحي طاهر نفيا أن يكون المحكوم عليه مريضاً وقد قبلت المحكمة رأيهما وقررت وفقاً لذلك أن المحكوم عليه مسئول عن فعله مسئولية كاملة

ويطعن الدفاع في  طريقة استجلاب شاهدي المحكمة وفي الظروف التي صاحبت ذلك وكذلك في قبول رأيهما ووزنهما وفي ذات الوقت يطعن الدفاع في إجراءات المحكمة حول التحقيق في الدفع بالجنون المقدم نيابة عن المحكوم عليه وينص عليها عدم التزامها بالمنشور الجنائي رقم 21 كما يطعن بأن المحكمة الكبرى جلبت الشاهدين بعد قفل قضية الدفاع ولما كان الأمر كذلك فإنه كان عليها أن تعيد استجواب المتهم مرة أخرى وأن تسمح له بتقديم شهود جدد وفي هذا يستدل الدفاع بما جرى عليه العمل في الهند كما يرد في مؤلفات عن القانون الهندي في هذا الشأن

أنه لمن الثابت وخلافاً لما يدعيه محامي الدفاع – أن الدفاع لم يكشف عن خط دفاعه إلا عند بداية قضية الدفاع في 23/11/1980م فعند بداية قضية الاتهام أنكر الدفاع التهمة الموجهة للمحكوم عليه وأردف ذلك بإعلان عن احتفاظه بخط الدفاع

وفي هذا دلالة واضحة على أن خط الدفاع لم يكن معلناً من قبل وهذا يتوافق مع المعمول به في المحاكم إذ أن مرحلة التحقيق القضائي ليست المرحلة التي يكشف فيها عن خطوط الدفاع

وقد كان من نتائج ذلك أن هيئة الاتهام فوجئت بالدفع المتعلق بالجنون وبذلك فات عليها أن تقدم شيئاً في هذا الشأن قبل قفل قضيتها وبنفس القدر فإنه ما كان في مقدور المحكمة الكبرى أن تأمر بوضع المتهم في المراقبة الطبية ثم أنه لم يكن أمام المحكمة خاصة بعد ما قدمه شاهد الدفاع عزيز حنا إلا أن تعمل سلطاتها في طلب شهود للإدلاء بآرائهم فيما ذكره هذا الشاهد أما الطريقة التي جلبت بها المحكمة الشهود فإنها كانت محل طعن من محامي الدفاع فصلت فيه المحكمة العليا وكان قرارها في هذا الشأن هو أن المحكمة الكبرى كانت تعمل في حدود سلطاتها (انظر م ع/ط ج/م 61/1981م) ولا يغير من الأمر شيئاً إن المحكمة لم تصدر أوامر تكليف للأطباء السودانيين قبل أن تلجأ لمصر فهي لها أن تفعل ما فعلت حتى إذا لم تطلب السودانيين أولاً فليس في القانون ما يمنعها من ذلك

أما ما يثيره محامي المحكوم عليه من شكوك حول تصرفات رئيس المحكمة فإنها مسائل تتعلق بالوقائع لم يثرها الدفاع في حينه حتى يتم التحقيق فيها فقد كانت تصلح لأن تكون محل شكوى تقدم للجهة المختصة في ذلك

إن الدفع المتعلق بالجنون أثير في مرحلة متأخرة كأمر خالي للدفاع وبما أن عبء إثبات الدفع بالجنون يقع على عاتق الدفاع (المنشور الجنائي رقم 21 وسابقة حكومة السودان ضد خضر عبد الله الحسين التي سبقت الاشارة اليها) فإن المحكمة الكبرى لا تكون قد قصرت في أي من واجباتها بموجب المنشور رقم 21 فالمنشور لا يخرج عن وضع ارشادات لا ترقى الى الالزام إلا إذا كان المتهم دون ممثل للدفاع فقراءة حكم السلطة المؤيدة في سابقة حكومة السودان ضد خضر عبد الله الحسين توضح جلياً أن واجب المحكمة في هذا الشأن لا ينشأ إذا كان ممثل للدفاع وفي هذه القضية بالذات لم تجد المحكمة في هذا الشأن لا ينشأ إذا  كان هناك ممثل للدفاع وفي هذه القضية بالذات لم تجد المحكمة أدنى شك يجعلها تعتقد أن قوى المتهم العقلية غير سليمة حتى ولو لم يثر الدفاع هذا الدفع نيابة عن المتهم الذي مثل ودافع أمام المحكمة الكبرى بما يدل على عقل سليم وفيما أكدته السابقة المشار إليها فإن القرار في مسألة ثبوت أو عدم ثبوت حالة الجنون قرار قضائي وليس قرار طبياً ولهذا فإن الرأي الذي قدمه  شاهد الدفاع دكتور عزيز حنا من جهة ورأي الدكتورين بحي الطاهر ويحي الرخاوي من الجهة الأخرى كانت كافية لتمكين المحكمة الكبرى من الوصول إلى قرار بشأن الدفع المثار وحيث أن المحكمة لم تكن قد كونت رأيها حول ثبوت أو عدم ثبوت الدفع حين طلب إليها الدفاع السماح له بجلب مزيد من الرأي حول المسألة فإن قرار المحكمة الكبرى برفض طلب الدفاع لا يكون مشوباً بخطأ أو حيف وفي هذا الشأن فإن ما أشار إليه الدفاع من إجراءات تسود في الهند في حالة ورود أدلة جديدة بعد قفل قضية الدفاع إجراء غير معمول به في السودان ومع أننا لا نرفض مبدأ تطبيقه إلا أن ذلك لا ينبغي أن يكون إلا في الحالات التي تكون قد نشأت فيها أدلة جديدة وواقع الحال أن ما أدلى به شاهاً المحكمة لم يكن يشكل أدلة كما أنه لم يكن في الأمر ما كان يمكن وصفه بأنه جديد فهو لم يتعد الرأي المستقل بعد رأي سابق أدلى به شاهد الدفاع عزيز حنا ولما كانت المحكمة الكبرى أصلاً غير ملزمة بأي من الرأيين فإنه لم يكن مطلوباً منها أن تفتح الباب لمزيد من الآراء فقد كان أمامها رأيان  لها أن تأخذ بما ينفق منهما مع العقل والمنطق لتكوين عقيدتها  في مدى ثبوت الدفع بالجنون الذي أثاره الدفاع وعلى هذا فإنه لا مجال للتعرض فيما ورد في تلك الآراء بالتفصيل الذي يعتقده محامي الدفاع ثم أنه لا مجال للقول بأن المحكمة لم توازن سلوك المحكوم عليه قبل الحادث لمجرد أن المحكمة لم تضع أسئلة في هذا الشأن لتجيب عليه نحو ما يراه محامي الدفاع فلا شك أن تحركات المحكوم عليه يوم الحادث وسلوكه أثناء المحاكمة كانت وقائع ثابتة أمام المحكمة الكبرى ولا يمكن أن تكون قد أغفلتها عند قرارها بعدم ثبوت الجنون المدفوع به فليس كل تصرف سابق لفعل جنائي دليلاً على اختلال في القوى العقلية أو النفسية

وترتيباً على ذلك فإننا نتفق مع المحكمة الكبرى في قرارها بعدم ثبوت الجنون لا ترجيحاً لرأي شاهدي المحكمة – وهما متخصصين في مجالين متنوعين  وحسب وإنما لأن ما أدلى به شاهد الدفاع دكتور عزيز حنا لا يتفق مع العقل ولا المنطق فهذا الشاهد وإن كان أميناً في عدم جزمه بأن المحكوم عليه كان يعاني من حالته المرضية وقت الحادث لم يفسر كيف يستقيم عقلاً أن يظهر مرض كامن لا أثر له في تاريخ المحكوم عليه لمدة دقائق هي الزمن الذي استغرقه الإعداد للفعل وتنفيذه ؟ ثم إذا سلمنا بأن الغضب من الظروف التي يمكن أن تثير ذلك المرض ألا يفترض أن يكون المحكوم عليه قد قتل كثير من الناس قبل ذلك ؟ إذ أن من المؤكد أن يكون المحكوم عليه قد تعرض لحالات غضب أشد من تلك الحالة التي واجهته ليلة الحادث فالذي أثار المحكوم عليه تلك الليلة هو وقوف شاهد الاتهام الرابع بعربته بالقرب من باب منزله (أي منزل المحكوم عليه) وحتى إذا كان الغضب نتيجة لتكرار وقوف العربات  أمام المنزل فهل في ذلك ما يثير كل هذا الغضب ؟ ولمن يتوقع أن يوجه ما أثاره مثل هذا الغضب ؟ للمجني عليهم الذين ربما سمحوا بوقوف العربة (وربما لم يكونوا قد انتبهوا لها ) أم للشخص الذي أثار هذا الغضب مباشرة وهو شاهد الاتهام الرابع؟

إن سلوك المحكوم عليه ذلك اليوم كان عادياً وربما أغضبه وقوف عربة بالقرب من باب منزله فأثار ذلك في نفسه خلافه مع المجني عليهم فقام بارتكاب فعله ذلك ولكن هل من الجنون في شئ أن يخطو المحكوم عليه للوراء قبل إشعال عود الثقاب في البنزين الذي سكبه على الدكان ؟ إن هذا التصرف يكشف عن وعي وإدراك تامين من المحكوم عليه وهما يتنافيان مع ادعائه للجنون وقت ارتكاب الحادث

صحيح أن إثبات الجنون لا يكون بما وراء الشك المعقول وإنما يكفي أن يكون بموازنة الأدلة والاحتمالات إلا أن ما قدمه الدفاع في هذا الشأن لا يرقى إلى المستوى الذي يصلح معه لأية مقارنة أو موازنة مع ما هو مفترض وثابت بشأن سلامة عقل المحكوم عليه

وما قيل عن الدفع تحت المادة 50 من قانون العقوبات يمكن أن يقال باطمئنان عن الدفع بموجب المادة 249(6) من القانون ذاته ذلك لأنه لم يثبت بأي قدر من الدليل أن المحكوم عليه يعاني أو كان يعاني من أي اضطراب ناشئ عن تخلف أو إصابة أو مرض عقلي في معنى هذه المادة وكما قالت هذه المحكمة في قضية حكومة السودان ضد وليم سعيد نسيم م ع /م ك/110/80 / نشرة الأحكام الرباعية ليناير /فبراير / مارس 1981م ص 12

(إن الدفع الخاص بالمسئولية المخففة والذي ضمنته الفقرة السادسة من المادة 249 عقوبات يجب أن يثبت للمحكمة من البينات أو تصرفات المتهم أو بينة الاخصائي المختص بالموضوع أنه دفع يعتمد على ضوابط ومعايير ولا يمكن أن تطبقه على أي شخص ارتكب جريمة قتل لمجرد عدم عثورنا على الدافع إن الغضب والتوتر والإحباط النفسي لا يمكن أن يشفع لشخص أن يرتكب جريمة قتل أنها حالات نفسية لا يمكن أن تبيح الجريمة

وقد أثار المحكوم عليه ومحاميه في مذكراتهما لهذه المحكمة بعض النقاط لا نرى حاجة بنا إلى التعرض لها لكونها غير منتجة إلا أنهما أثارتا نقطتين نرى أن نتعرض لهما وهما الجو الذي ساد إجراءات القضية ثم عدم طلب شهود أخلاق من المحكوم عليه

ولعله يجدر بنا ان نبدأ بالاتفاق مع المحكوم عليه ومحاميه على أن هذا الحادث قد أثار كثيراً من الهرج والتحرش والتعدي من أهل المجني عليهم كما تناولت الصحافة المحلية الحادث بكثير  من الإثارة والتفصيل والمتابعة بيد أنه لا يمكن أن يسند لما حدث أي أثر عفوية الأدلة وصدق الذين قدموها أو في موازنتها فقد أمسكت المحكمة بزمام الامور في الوقت المناسب فأصدرت من الأوامر ما أدى إلى وقف الحملة الصحفية وكذا كبح جماح أهل المجني عليهم

أما فيما يتعلق بما أثاره المحكوم عليه من أن المحكمة الكبرى لم تطلب منه تقديم شهود أخلاق فلا شك في أن ذلك يشكل مخالفة للمادة 184 من قانون الإجراءت الجنائية ولعل احاطة المحكمة الكبرى من خلال ما قدمه المحكوم عليه من الإجراءات بكثير من ظروف المحكوم عليه وأخلاقه ووضعه المهني والاجتماعي (وهي في جملتها ما يقدم عادة بواسطة شهود الأخلاق فهي التي أدت إلى إغفالها لمتطلبات المادة 184م المشار إليها مع أن هذا  لا ينفي وقوع المخالفة إلا أنه ليس فيها ما يؤثر في إجراءات المحكمة بقدر يبطلها أو يبرر إعادتها لها في أي جزء منها فما دام ما زال متاحاً أن تكون أخلاق المحكوم عليه (كما كشف عنها ما قدمه المحكوم عليه نفسه كتابة قبل صدور قرار الإدانة وما حوت تقارير الأطباء) محل الاعتبار وما دام المحكوم عليه لم يضر في دفاعه بهذا العيب في الإجراءات ولم يكن فيه ما أثر في سلامة الحكم فإنه يمتنع على هذه المحكمة التعرض لهذه المسألة بأكثر من الإشارة إلى وجه الخطأ فيه (المادة 261 من قانون الإجراءات الجنائية لسنة 1974م)

وحيث أن الحكم بإدانة المحكوم عليه بموجب المادتين 251و  375 من قانون العقوبات قامت على أدلة مقبولة لم يقابلها من استدلالات الدفاع ودفوعه القانونية مما يلقي عليها من الشك ما ينال من قوتها أرى أن نؤيد إدانة المحكوم عليه بموجب المادتين 251 و 275 وأن نؤيد حكم الإعدام الصادر ضده

سلام الله عليكم. ما شايف أسئلة او استفسارات لأنه المعلومة واضحة وإلا ما متابعين؟ ناخذ الكبسولة دى ونشوف الإجابة.

أذكر بأنه قلنا لما المشرع يبدأ النص ( لا يعد مرتكبا جريمة) معناها بيتكلم عن الفاعل (محل الجريمة) ولما يقول ( لا يعد الفعل جريمة ) .بيتكلم عن سبب المسئولية وأذكر بأنه كل القانون الجنائي أسأل منو عن شنو وليه؟ محل المسئولية وسببها.

نحن الآن بصدد محل المسئولية (الفاعل) وعشان توضح الصورة وتجاوزا لترتيب المواد نقفز للمادة 13 من القانون الجنائى 1991  لايعد مرتكبا جريمة الشخص الذى أكره على الفعل بالإجبار أو التهديد يالقتل أو بأذى جسيم عاجل يصيبه فى نفسه أو أهله أو بضرر بليغ فى ماله إذا غلب على ظنه وقوع ما هدد به ولم يكن فى قدرته  تفادي ذلك بوسيلة أخرى.

لا يبيح الإكراه تسبيب الموت أو الأذى الجسيم. أو ارتكاب أي من الجرائم الموجهة ضج الدولة، المعاقب عليها بالإعدام.

متذكر انت أنه قلنا لا مسئولية إلا على مختار. والمكره ليس مختارا ،بمعنى أنه لم تتجه إرادته لإرتكاب الجريمة اليد الحقيقية التى ضغطت على الزناد وأطلقت الطلق النارى هى يد المكره (بكسر الراء) وبالتالى الإرادة الآثمة هي إرادة المكرِه وليس المكر بفتح الراء

يعنى ما حأسأله ليه لأنه غير مختار. مش قلنا المواد من 9 الى 18 تفصيلات للمادة 8 ؟ يعنى كان ممكن المشرع يعتمد على ذكاءك ويكون كل القانون المادة 8 ،

نشوف شروط الإكراه كمانع للمسئولية.

1- يكون الإكراه بالقتل أو الأذى الجسيم عاجل، يعنى يعنى لو ما عاجل مستقبلي لا يتحقق الإكراه. يصيبه فى نفسه أو أهله .

2- ضرر بليغ فى ماله لازم بليغ وإلا فلا. متين مش لو أي كلام لأ بقدر يعملها ، يعنى غلبة الظن أنه المهدد يستطيع أن ينفذ تهديده ، يعنى يا ينفذ أو يصاب ماله بضرر بليغ يحرق البيت يحرق العربية يفرق ليك المحصول كلها ضرر بليغ قيس عليه.

3- لا مفر له سوى تنفيذ المكره عليه يعنى ما بيقدر يتفادى التهديد بأ وسيلة أخرى لا استنجاد و لا بلاغ و لا غيره.

إذا تحققت هذه الشروط هل المانع مطلق وإلا مقيد ؟ مقيد بشنو؟ بأنها ما تكون قتل و لا أذى جسيم. يعنى شنو يعنى يا قاتل وإلا مقتول تكون عبدالله المقتول لا القاتل. ليه ما لأنه نفس لنفس تسردب إنت وتشيل الطلقة و لا تكون أنانى تضحى بغيرك، مروءة وشهامة يعنى ما مشروع تقتل غيرك عشان تسلم نفسك، بنفس القدر الجرائم ضد الدولة مش كلها المعاقب عليها بالإعدام.

واضح الإكراه وشروطه.

نواصل بحول الله.

نواصل في موانع المسئولية  ونتذكر أنه لا مسئولية إلا على الشخص المكلف شفنا الشخص والمكلف الركن التالي أن يكون الفعل غير إرادي ليه غير إرادي لأنه ببساطة لو إرادي ح يكون فعل عمدى يعنى إختار بنفسه لنفسه أن يرتكب الفعل، وفى هذه الحالة الفعل مجرم وهو عارف أنه مجرم وارتكبه يعنى هو متأبط شراً، يعنى عازم على ارتكاب الجريمة، ما نحن بصدده الفعل غير اختياري يعنى قدر الله، لا ارتكبه باختياره ولا كان ممكن ما يعمله لأنه القوة القاهرة كانت سببه، يعنى هو نفسه كان من المصابين فيه أو واقعة عليه المصيبة و القوة القاهرة لما تكون هي السبب ما يكون هو مرتكب الفعل يكون سبب الفعل القوة القاهرة. بالتالي لا ينسب إليه الفعل، بالتالي لا يكون هو فاعله، طيب حأسأله كيف إذا هو أصلا ما وقع منه فعل غير مشروع ، شفنا سبب المسئولية ارتكابه فعل غير مشروع أو وقع بإهمال الفاعل ولما يكون الفعل غير اختياري يبقى لا هو ارتكبه لا وقع بإهماله وبكذا ينعدم سبب المسئولية تماما كما امتنعت مسئولية الفاعل, دي القوة القاهرة مما يمنع الإرادية المرض المفاجئ أفقده القدرة على تفادى الفعل. واضح متين يكون الفعل غير اختياري؟ إذا وقع بقوة قاهرة أو عجز عن تفادي الفعل لمرض مفاجئ . ليه مفاجئ لأنه لو هو أصلا عارف أنه مريض ووقع الفعل لأنه هو مريض تنشأ مسئولية خطئية غير عمدية قلنا طبعا المسئولية إما عمدية أو غير عمدية. شوف الطرفة دي من واقع عملي توضح ليك الصورة . وأنا قاضى جنايات في كسلا ووقتها كنا بنشوف المعلومية (عارفين طبعا المعلومية، للشباب الما عارفين ، علم القاضي كمأمور ضبط قضائي أن يعلم بكل ما وقع في دائرته الجنائية خلال 24 ساعة، ويأمر فيها بما يراه مناسب ، لقيت بلاغ مفتوح وماشية إجراءاته من كشف لمشرحة لكدا قال المرحوم دا كان راكب في حافلة من كسلا ماشي القربة ، في الطريق ماشيي قدام الحافلة بص فرك حصاصة صغيرة جدا طارت من بين اللستكين وكسرت الزجاج الأمامي للحافلة وعبرت لآخر راكب على يسار الحافلة استقرت في راس الراكب(المرحوم دا) لقيتهم ماسكين السواق والكمسارى وسيد البص، شطبت البلاغ وفكيت الجماعة قلت لملاحظ المركز وقتها عايز القدر يكون كيف أكثر من كدا يعنى كنت متوقع السواق ينظف الشارع من الحصحاص حتى يسوق؟ وإلا سواق الحافلة يمسك كل حصحاصه داخلة عليه عشان ما تفلق زول؟ واضح أنه وفاة المتوفى كانت بفعل غير إرادي.

أيام التبشير بالقوانين الشرعية واحد من الوعاظ قال للناس لو عربيتك واقفة قدام البيت ، ووقع عليها زول من فوق كسر رقبته إنت مسئول قلت ليه كدا ممكن تمنع القدر ؟ وتحمل الناس مسئولية جنائية ما ليهم فيها أي دخل؟ كيف حتنسب  الفعل لصاحب العربية لا إيده ولا كراعه…

ومرة لو تتذكروا في امتحان تنظيم المهنة كان السؤال واحد سميه أي اسم سائق عربيته والدنيا خريف والسير بطيء جدا والناس تعبت من طول الوقاف ودا  فجأة طلعت ليه الملاريا في راسه وهو قاعد وراء دركسونه وداخ رجله تقلت على البنزين اندفعت العربية ضربت الزول القدامه مات. حدد مسئولية السائق، كثير من الشباب كتبوا لي مسئولية حركة – غير عمدية، طيب إهماله شنو وإلا خطؤه شنو المنسوب ليه طلعت ليه الحمى في راسه دخل في غياب  وإلا داخ فقد توازنه ذنبه شنو هو؟؟؟؟ كان ممكن يتفادى الفعل دا كيف هو لاقى روحه؟؟؟

نستكمل بحول الله.

المادة 15 من القانون الجنائي 1991 نصت على أنه ( لا يعد مرتكبا جريمة الشخص الذى ألجأته للفعل حالة ضرورة لوقاية نفسه أو عرضه أو ماله أو نفس الغير أو عرضه أو ماله من خطر جسيم محدق لم يتسبب هو فيه قصدا ولم يكن في قدرته اتقاؤه ،بوسيلة أخرى….)

لاحظت طبعا بداية النص لا يعد مرتكبا جريمة ودى إشارة زي ما قلنا لمانع من موانع المسئولية. وطبعا لاحظت أنه الفعل هنا عمدى يعنى هو شخص ومكلف ومختار وقصد ارتكاب الفعل غير المشروع ويعلم أنه غير مشروع ، لحدي هنا هو مسئول وعن فعل عمدى وتحقق سبب المسئولية لكن المشرع يمنعك من أن تحمله المسئولية ..ليه لأنه ارتكب الفعل مضطرا وعارف انت القاعدة الشرعية الضرورات تبيح المحظورات، المحطور معناه المحرم فعله (حاشية كدا انتبه ليها (ما كل محرم مجرم، يعنى المحرم ديانة ولم يرد عليه نص تجريم يجعل منه جريمة يظل محرم ديانة يأثم فاعله  لكنه غير مسئول جنائيا) يقول النص ألجأته للفعل حالة ضرورة ،يعنى لجأ للفعل مضطرا، يعنى لو ما حالة الضرورة ما كان ح يرتكب الفعل. معناه المشرع قال ليك لو الشخص بمعنى المادة 3 ارتكب فعل غير مشروع لكنه كان في حالة ضرورة ما تسأله، عشان كدا قلنا ما ح أسأله ليه؟ لأنه كان في حالة ضرورة ، وحالة الضرورة تمنع المسئولية الجنائية. مهم جدا إنك تستصحب أن المشرع قال ألجأته الى الفعل حالة ضرورة ، عشان كدا سموها الضرورة الملجئة، يعنى ما كل ضرورة وعبر المشرع عنها بقوله لم يكن في مقدوره اتقاؤه بأي وسيلة أخري يعنى ما كان قدامه أي طريقة غير ما إنه يرتكب الفعل المكون للجريمة. ولاحظ أنه لا يكون الخطر الحال تسبب فيه هو نفسه يعنى جاء الخطر من حيث لم يقصد ،يعنى ممكن يكون تسبب في حلول الخطر لكنه لم يقصدها (لم يتسبب فيه هو قصدا) انتبه للتعبير وفكر براحة ما في كلمة بترد في النص ما مقصود معناها بالذات يعنى القانون ما إنشا، لا كلام مقصود وموزون وبمعنى محدد.

شرط الضرورة ألا يكون الضر المراد اتقاؤه مثل الضرر المترتب على الفعل المرتكب لأنه ما ح تكون عملت حاجة ما إنت عايز تتفادى الخطر لمنع الضرر تقوم ترتب ذات الضرر طيب عملت شنو؟ في الحالة دي القانون ما ب يحميك.

لأي مدى تستمر الضرورة حدها شنو حدها القتل يعنى الضرورة لا تبيح ليك القتل إلا في حالة واحدة حالة أداء الواجب.  ولعلك لاحظت أن الأمر لا يقتصر على نفس الفاعل

المادة 15 من القانون الجنائي 1991 نصت على أنه ( لا يعد مرتكبا جريمة الشخص الذى ألجأته للفعل حالة ضرورة لوقاية نفسه أو عرضه أو ماله أو نفس الغير أو عرضه أو ماله من خطر جسيم محدق لم يتسبب هو فيه قصدا ولم يكن في قدرته اتقاؤه ،بوسيلة أخرى….)

لاحظت طبعا بداية النص لا يعد مرتكبا جريمة ودى إشارة زي ما قلنا لمانع من موانع المسئولية. وطبعا لاحظت أنه الفعل هنا عمدى يعنى هو شخص ومكلف ومختار وقصد ارتكاب الفعل غير المشروع ويعلم أنه غير مشروع ، لحدي هنا هو مسئول وعن فعل عمدى وتحقق سبب المسئولية لكن المشرع يمنعك من أن تحمله المسئولية ..ليه لأنه ارتكب الفعل مضطرا وعارف انت القاعدة الشرعية الضرورات تبيح المحظورات، المحطور معناه المحرم فعله (حاشية كدا انتبه ليها (ما كل محرم مجرم، يعنى المحرم ديانة ولم يرد عليه نص تجريم يجعل منه جريمة يظل محرم ديانة يأثم فاعله  لكنه غير مسئول جنائيا) يقول النص ألجأته للفعل حالة ضرورة ،يعنى لجأ للفعل مضطرا، يعنى لو ما حالة الضرورة ما كان ح يرتكب الفعل. معناه المشرع قال ليك لو الشخص بمعنى المادة 3 ارتكب فعل غير مشروع لكنه كان في حالة ضرورة ما تسأله، عشان كدا قلنا ما ح أسأله ليه؟ لأنه كان في حالة ضرورة ، وحالة الضرورة تمنع المسئولية الجنائية. مهم جدا إنك تستصحب أن المشرع قال ألجأته الى الفعل حالة ضرورة ، عشان كدا سموها الضرورة الملجئة، يعنى ما كل ضرورة وعبر المشرع عنها بقوله لم يكن في مقدوره اتقاؤه بأي وسيلة أخري يعنى ما كان قدامه أي طريقة غير ما إنه يرتكب الفعل المكون للجريمة. ولاحظ أنه لا يكون الخطر الحال تسبب فيه هو نفسه يعنى جاء الخطر من حيث لم يقصد ،يعنى ممكن يكون تسبب في حلول الخطر لكنه لم يقصدها (لم يتسبب فيه هو قصدا) انتبه للتعبير وفكر بالراحة ما في كلمة بترد في النص ما مقصود معناها بالذات يعنى القانون ما إنشا، لا كلام مقصود وموزون وبمعنى محدد.

شرط الضرورة ألا يكون الضرر مثل الضرر المراد اتقاؤه أو أكبر منه لأنه لو أصلا ح يحصل ضرر مثل المراد اتقاؤه أو أكبر منه ح تكون عملت شنو؟  و لا يقتصر الأمر على نفس الفاعل أو ماله أو عرضه بل يمتد لنفس الغير وعرضه وماله.

نستكمل بحول الله..

طيب الله أوقاتكم .

بتوكل على الله واستعانة به نستكمل المانع الأخير من موانع المسئولية الجنائية ، تذكر معي أنه لما يبدأ النص بلا يعد مرتكبا جريمة معناها ب يتكلم عن مانع من موانع المسئولية ، وشفنا الى الآن الصغر وفقد التمييز، والإكراه، والضرورة ولأفعال غير الاختيارية ونختم بالخطأ في الوقائع. يعنى شنو الخطأ في الوقائع يعنى غلطان في حقيقة الواقع. نوضح لما يرتكب الشخص أي فعل مشروع كان أو غير مشروع بيكون في ذهنه تصور للواقع القدامة يبنى عليه تصرفه. وقد يفاجأ بأن الواقع مختلف يعنى بنى تصوره على واقع وبعد ارتكابه الفعل اكتشف أنه تصوره ما كان صحيح يبقى العبرة بتصوره وإلا تصرفه، قصد ارتكاب الفعل يكون في ذهن الفاعل فإن كان تصوره أصلا أن يقدم على فعل غير مشروع وينوى ارتكاب الجريمة وارتكبها فعلا هنا تتطابق تصوره وتنفيذه يعنى نفذ العايزه، لذلك نقول أنه قصد ارتكاب الجريمة، بكلمات أخرى ، لما الشخص عايز يرتكب جريمة سرقة بيكون في ذهنه تصور معين أو قول سناريو معين ينفذه لارتكاب الجريمة المراد سرقته وقيمته والقصد من السرقة … لما ينفذ السرقة بيكون نفذ تصوره ، طيب لما يكون تصوره للفعل العائذ يرتكبه( من حيث الوقائع مش القانون مشروع و يتصور صادقا أن الفعل مشروع، ح يكون نيته وقصده يرتكب فعل مشروع وإلا غير مشروع، لما يحصل الواقع الجديد ويكتشف خطأ تصوره ح يجد نفسه مواجه بواقع ما كان يتصوره و لا يريده يعنى أتفاجأ بالنتيجة. لذلك المشرع يعامله بتصوره  للواقع لا بما تكشف له لاحقا . ليه لأنه أصلا هو لو كان عارف حقيقة الموضوع ما كان ارتكب الجريمة فالعبرة بالتصور لا التنفيذ.

أديتك في الكتاب سابقة الولد الكردفانى الكان عايش في بيئة تعتقد في ما يعرف بالبعاثي، الفكرة أنه بعض الناس بعد ما يموت ب يقوم ويحوم يمشى المحلات الكان متعود عليها، فالولد عنده بهائم ضاعت مشى يفتش عليها والدنيا ليل وكان مشاع وقتها أنه البعاتى (قرين فلان الفلاني حاييم، وهو براه في الحته لاقاه شبح أسود كله ويهمم بكلام ما مفهوم . طوال تفتكر خطر في باله شنو؟ دا البعاتى ذاته، وقلبه حدثه يخلص الناس منه. وضرب ليك الشبح بعكازه رماه وجرى الحلة ينادى في الناس قتلت ليكم البعاتى، الناس جروا يشوفوا البعاتى القتله، لما وصلوا اتضح أنه قتل حاجة حليمة البكما وصماء ، أتفاجأ طبعا بأنه هو قتل زول عديل مش بعاتي. معناها تصرف على وقائع تبين أنها خطأ يبقى العبرة بتصوره لا تصرفه. واضحة دي وإلا تقيله شوية؟ تفتكر لو هو عارفها وقال في نفسه أقتل ولا من شاف ولا من درى، كان ح يكون تطابق تصوره وتصرفه وإلا اختلف؟؟؟ نسأل منو ؟ نسأل من تطابق تصوره مع تصرفه. أظن محتاج تفكر فيها براك شوية أديك فرصة تروق وتستوعب الخطأ في الوقائع. عشان تشوف فهمتها وإلالا  هو اكتشف أنه غلطان في الوقائع متين قبل الفعل وإلا بعده؟ تفرق لو كان قبله؟ ح يكون تصرف على وقائع غلط وإلا صحيحة؟؟ حضر الإجابة ونلتقى..

الكبسولة الجديدة للمواصلة في المسئولية الجنائية.

نتناول المادة 12 من القانون الجنائي 1991 (حق الدفاع الشرعي):

1- لا يعد الفعل جريمة إذا وقع عند استعمال حق الدفاع الشرعي استعمالا مشروعا.

انتبه أولا الى أن المشرع صنف الدفاع الشرعي أنه حق. يعنى من استعمل حقه المشروع يكون ارتكب جريمة ؟ قطعا لا –  لأنه مارس حقه، يعنى يكون الفعل مشروع أذا كان أداء لواجب أو استعمالا لحق؟ مش القانون خولك تدافع عن نفسك والغير ومالك ومال الغير طيب ما خلاص الفعل كدا مشروع لأنه فعل مخول به قانونا.

انتبه برضه : ليه المشرع قال عند استعمال . يعنى لازم يكون الحق قائما وقت استعماله . عشان كدا ب نقول نشأة الحق قبل استعماله ، يعنى لازم تتحقق من نشوء الحق قبل ما تتكلم عن استعماله عشان تتماشى مع النص، كيف ح تستعمل حق ما موجود أصلا؟؟؟

طيب ينشأ متين حق الدفاع الشرعي، لاحظ ب نقول حق  دفاع  شرعي  يعنى 3 مواصفات لابد تجتمع. أنه حق دفاع يعنى ما هجوم ، يعنى ما تكون إنت مهاجم وتقول لي دفاع ، يعنى لازم تكون مهاجم بفتح الجيم وليس بكسرها.

يعنى لو ما مهجوم عليك : متين ؟ لحظة رد العدوان ما قبله ولا بعده. طيب ح يكون شرعي متين إذا توافرت الشرعية في الاستعمال ، يعنى كيفية الرد ومقدار القوة اللازمة للرد لصد العدوان.

نشوف النص يتحدث عن نشأة حق الدفاع الشرعي: متين إذا واجه الشخص خطر اعتداء. خطر اعتداء  وطبعا من باب أولى إذا اعتداء فعلي، يعنى المشرع ما عايزك تنتظر لحدي ما يقع العدوان عليك لا مجرد خطر العدوان ترد الخطر ترد خطر العدوان إذا عدوان فعلى تصده تمنعه توقف العدوان عليك. أيهما إذا كان حال يعنى وقع فعلا أو وشيك ، يعنى قاب قوسين أو أدنى ، يعنى جاك ورافع عصاته وإلا سيفه ما بستناه لما يضرب وإلا يطعن، خلاص كدا نشأ الحق. بشرط ما يكون عندك طريقة تانية ترد بيها العدوان ، لا وقت تبلغ ولا أي وسيلة تزوغ من العدوان وزى ما قلت في الكتاب جرى ما فينا . أفو نحن بنجرى؟؟؟  يحردن أمات شلخ، عشان يغنوا لينا (شعرى بزينه بعقر ما بلددي جنا…)

طيب نشأ الخطر وما عندك طريقة تتفاداه استعماله الشرعي ترد العدوان تدفع الخطر عنك والا مالك والا غيرك والا ماله. بقدر ما يلزم للرد يعنى قوة مناسبة لرد العدوان فقط وبالوسيلة المناسبة ، يعنى ما استعمال مشروع لو معبى ليك بنية تديه طلقة. وإلا شايل عصاية تطلع مسدسك تديه في راسه . هنا بتكون تجاوزت حقك. بحسن نية وإلا لا دا سؤال تانى المهم إنك اتجاوزت.

طيب قلنا لازم يكون معتدى بالتالي إذا ما معتدى موظف عام مثلا ب يمارس أعمال وظيفته ، ضابط تنفيذ الأوامر جاء يحجز على مال لبيعه تشيل عكازك وتقول بدافع عن مالي لا طبعا لأنه ضابط التنفيذ ما معتدى، إلا إذا تجاوز حدود سلطته دا كلام تاني.

طيب حده وين ؟ حده توقف الخطر و لا يصل حد تسبيب الموت أو الأذى الجسيم إلا إذا كان العدوان نفسه يخشى منه ذلك لأنه قلنا بالقدر المناسب، إذا العدوان ممكن يؤدى الى موتك مسموح ليك تقتله قبل ما يقتلك. أو إذا العدوان يخشى منه  الاغتصاب أو الأذى الجسيم أو الاستدراج أو الإتلاف بالإغراق أو الإحراق وما إليه.

كدا شفنا حق الدفاع الشرعي شروطه ومداه.

نلتقى بحول الله.

ومن التطبيق ايضا

في محكمة الاستئناف المدنية

الدائرة الجنائية

تاييد محكمة كبرى

حكومة السودان …………ضد……………..جبريل محمود أبكر

م ا /ت م ك /436/71

المبادئ:

قانون العقوبات – حق الدفاع عن النفس والمال- المواد 56 (2) و61 ق . ع.س – تسبيب الموت – جريمة السرقة – اذا لم يصاحب  جريمة السرقة اعتقاد باحتمال الاذي أو الموت – تجاوز حق الدفاع عن النفس – المــادة 299(2)  ق .ع.س.

يحق للشخص أن يستخدم حق الدفاع لحماية ماله تحت المادة 56(2) من قانون العقوبات  ولكن حقه هذا لايخول له أحداث الموت في حالة السرقة الا اذا أعتقد بان الموت او الاذى الجسيم سيكون محتملا ان لم يستخدم حقه في الدفاع .

الحكم:

عمر بخيت العوض قاضي المحكمة العليا بالانابة – بتفويض من السيد رئيس القضاء – 10/2/70

انعقدت محكمة كبرى في كتم واصدرت حكمها ضد المسجون جبريل محمود ابكر بالسجن لمدة خمس سنوات تحت المادة 256 من قانون العقوبات .

المحكوم عليه تقدم بطلب للأسترحام بغرض تخفيف الحكم الصادر ضده وذلك بسبب مسئوليته  العائلية. وبالرجوع الي المحضر نجد أن الحقائق التي توصلت إليها المحكمة مؤيدة بالبينة وباعتراف المتهم نفسه ولكن محكمة الموضوع اعتبرت المتهم واقعا تحت استفزاز شديد لان المرحوم اخذ عنزة تخص المتهم دون سبب وشرع يذبحها  وبهذا رأت أنطباق الفقرة الأولي من المادة 249 من قانون العقوبات .

غير أنني أختلفت مع محكمة الموضوع بان الأمر الاوضح هو انطباق الفقرة الثانية من المادة 249 من قانون العقوبات وذلك لان المرحوم قد أخذ عنزة المتهم من منزله بدون رضائه وخرج بها ولحق به  المتهم وهذه جريمة سرقة يحق للمتهم  أن يستخدم حق الدفاع لحماية ماله تحت المادة 56(2) من قانون العقوبات ولكن حقه في الدفاع عن ماله لايخول له أحداث الموت في حالة السرقة الا اذا كان هناك  أعتقاد بان الموت أو الأذى الجسيم سيكون محتمل الحدوث للمتهم اذا لم يستخدم حقه في الدفاع . وماذكره  المتهم في أقواله لم يشر  الي أعتقاد بان المرحوم سيلحق به أذى جسيما أو الموت وبهذا يكون المتهم عندما ضرب المرحوم بعصاة علي رأسه ضربة حطمت جمجمته فانه بذلك سبب موت المرحوم في حالة لا يجوز له فيها تسبيب  الموت وبهذا يكون قد تجاوز حقه في الدفاع وان هذا التجاوز لم يكن مسبوقا بالاعداد والتصميم لان المتهم كان نائما عندما أخذت عنزته ولحق بها وبدأ يحاول استردادها ولكن المرحوم غرس سكينه في الارض والقي بالعنزه أرضا وشرع يذبحها حيث قطع القصبة الهوائية وهنا ضربه المتهم ليمنعه من ذلك وهذا ماحدث لان العنزه لم تذبح تماما حيث أخذت للطبيب البيطرى ولكنه لم يفلح في أيقاف النزيف وخياطة القصبة الهوائية فنفقت العنزة .ومن هنا يتضح أيضا ان المتهم لم يكن سئ القصد باحداث أذى أكثر من اللازم لمنع ذبح العنزة لان المرحوم كان منحيا وكان أعلي الرأس منه هو المواجه للمتهم فضربه عليه وفي هذه الظروف يتعذر علي المتهم أن يتخير مكانا ما لضرب المرحوم .

اصدرت محكمة الموضوع عقوبة السجن لمدة خمس سنوات وذكرت أسبابا معقولة تبرر تخفيف الحكم . غير أنني أرى أن كل هذه المأساه كان سببها المرحوم وأن المتهم كان حسن النية ويدافع عن ماله في حدود معقوله وعليه فإنني أرى أن السجن لمدة ثلاث سنوات عقوبة معقولة .

لهذا نؤيد الادانة وتعدل العقوبة الي ثلاث سنوات سجنا .

24/6/1973القاضي فاروق احمد إبراهيم

هذا طلب استرحام مقدم من السجين بشير مندور الاحيمر الذي أدين أمام محكمة كبرى بالدلنج تحت المادة 253 من قانون عقوبات السودان وحوكم بالسجن لمدة سبعة سنوات

بتاريخ الحادث كان المتهم يجلس مع بعض النسوة ومن بينهم زوجة المجني عليه حينما حضر الأخير وهو يحمل عصا وزنها 480 جراما وعلى الفور بادر المتهم بقوله ( أنت جنيت في المرأة دي) وكان يقصد زوجته ثم هجم على المتهم محاولاً ضربه بالعصا على رأسه فتفاداها المتهم ووقعت الضربة على يده اليسرى رفع المجني عليه عصاه مرة أخرى محاولاً تكرار الضربة فتفاداها المتهم بيده اليمني ثم استل المتهم سكينة وسدد بها للمجني عليه ضربة واحدة في بطنه هنا اخرج المجني عليه سكينا وطارد المتهم الذي ولي هاربا وامسك الشهود بالمجني عليه توفى المجني عليه بعد يومين من وقوع الحادث بسبب انفجار المصران مما أدى إلى نزيف داخلي توصلت المحكمة الكبرى ألا أن المتهم كان في حالة دفاع شرعي عن نفسه وأنا اتفق معها في الرأي فالمجني عليه هو الذي بداء بالهجوم دونما سبب واضح وقد ضربه مرتين في موقع حساس من جسمه وبعصا غليظة وفي هذه الظروف فان الشخص العادي لابد أن يتخوف من وقوع الموت أو الأذى الجسيم على شخصه وبالتالي فان حقه في الدفاع الشرعي يمتد إلى تعمد تسبيب الموت مع مراعاة الشروط الواردة في المادتين 58و59 من قانون عقوبات السودان

من الواضح انه لم يكن في مقدور المتهم الالتجاء لحماية السلطات العامة حيث أن الاعتداء عليه كان مفاجئا وفي كمان الزراعة حيث لا تتوفر مثل تلك الحماية

ليس في المحضر ما يشير ألا أن المتهم قد بذل أي مجهود في تعطيل المحني عليه أو لا تنازع العصا قبل أن يلجا لاستعمال السكين وهي سلاح حاد وقاتل وقد قضت السابقة القضائية حكومة السودان ضد آدم حسن آدم (1965) مجلة الأحكام القضائية ص (138) بان استعمال المتهم السكين لدرء اعتداء بواسطة العصا يعتبر تجاوزا لحق الدفاع الشرعي عن النفس لذلك أرى أن المتهم قد تجاوز حق الدفاع الشرعي عن نفسه وبالتالي أؤيد قرار إدانته تحت المادة 253 من قانون العقوبات

بالنسبة للعقوبة الواحدة أشير إلى السابقة القضائية : حكومة السودان ضد ذكريا أبو ضحية (1967) مجلة الأحكام القضائية ص (9) والتي تطابق الوقائع فيها مع وقائع القضية الحالية وقد رأت محكمة الاستئناف أن عقوبة السجن لخمس سنوات هي عقوبة مناسبة لذلك أرى تأييد الإدانة على أن تخفض العقوبة إلى السجن لمدة خمسة سنوات

24/6/1973

القاضي محمد محمود أبو قصيصه

احشي أنني اختلف مع الرأي الذي يؤيد الإدانة ولكني اتفق معه في أن هناك ظرفا للدفاع الشرعي عن النفس لكن لا أرى أن المتهم تعدي حقوق الدفاع تري المحكمة الكبرى أن الطعنة لا تناسب مع الضرب بالعصا وأنا أرى غير ذلك حاول المرحوم مرتين ضرب المتهم بالعصا فصرفاه المتهم بيده وهذا يعني انه لم تكن له عصا ولم يرد وجود عصا لديه في البينة والهجوم بشكله هذا يؤدي إلى خشية الموت أو الأذى الجسيم ولذا فللمتهم الحق بان يصده حتى أن أدى ذلك إلى تسبيب الموت أو الأذى الجسيم وقد راث المحكمة الكبرى أن وقائع هذه القضية تطابق وقائع ذكريا ابو ضحية (1976) مجلة الأحكام القضائية ص (9) ولكني أرى مع احترامي أن وقائع القضيتين لا تتطابقان صحيح أن القرار في قضية أبو ضحية جاء فيه أن المتهم تعدي حقوق الدفاع ولكن ذلك كان حين سدد المتهم للمرحوم طعنتين ويبدو أن ذلك لم يكن ضروريا لصد الهجوم في تلك الظروف في قضية أبو ضحية تكرار للطعن على عكس القضية الحالية التي كانت الطعنه فيها واحدة ويستشهد رأي أخر بقضية آدم حسن (1965) مجلة الأحكام القضائية ص (138) وقضية آدم حسن تختلف ظروفا أيضا فقد كان كل من المتهم والمرحوم مسلحا بسكين وعصا وبداء المرحوم بضرب المتهم بالعصا ولكن المتهم لم يستعمل القوه المماسلة وهى العصا وانما استعمل السكين فكان أن استعمل المتهم لم ستعمل القوة المماثلة وهي العصا وانما استعمل السكين فكان أن استعمل المتهم قوة لا تتناسب مع القوة الموجهة له بينما كان في المكان المتهم أن يستعمل العصا بدل السكين هنا يكون المتهم تجاوز حق الدفاع عن نفسه لكن في القضية الحالية لم يكن للمتهم سلاح سوء السكين وقد صرف الضرب مرتين واضطر مؤخر إلى أن يستعمل السلاح الوحيد الموجود لديه وهو السكين وهو لم يتمادى في استعماله بل طعن المرحوم مرة واحدة

على ذلك أرى أن فعل المتهم لا يشكل جريمة وانه لم يتجاوز حدود الدفاع واري إطلاق سراحه بالبراءة

27/6/1973

القاضي عمر بخيت العوض

بعد المداولة انضم إلى رأي القاضي أبو قصيصه

ومن الأحكام في ظل القانون الحالى هذا الحكم ولاحظ تطابق المبدأ

المحكمة  العليا

القضاة :

سعادة السيد/ تاج الســر محمد حامــد               قاضي المحكمة العليا            رئيساً.

سعادة السيد/ هاشـم حمــزة عبد الحميد              قاضي المحكمة العليا            عضواً.

سعادة السيد/ محمـد مصطفـــى حمـد              قاضي المحكمة العليا            عضواً.

 

حكومة السودان //ضد//  حكيم مايكل سودان

م ع / ف ج /298/1997م

 المبادئ:

القانون الجنائي لسنة 1991م – المادة 130 – القتل العمد – المادة 12 حق الدفاع الشرعي.

لا يمكن أن يسأل المتهم عن تجاوز حدوده في الدفاع أو أنه استخدم قدر من القوة أكثر مما يلزم لرد الاعتداء إذا وجد المتهم في ظروف تجعل الرجل العادي يخشى علي نفسه خطر الموت ، والقدر من القوة المناسب لرد العدوان يقدره المتهــــم في ذلك الموقف.

المحامون :

الأستاذ/ محمد صديق محمد                عن المتهم

الحكم:

قدم المدان حكيم مايكل سودان للمحاكمة أمام محكمة جنايات أم درمان جنوب تحت المادة 130 من القانون الجنائي لسنة 1991م وذلك لتسبيبه موت المرحوم فضل الله لوزين.

قضت المحكمة ببراءة المتهم من التهمة الموجهة إليه ، تقدم أولياء دم المرحوم بطلب لمحكمة استئناف أم درمان فأمرت بموجب مذكرتها أ س ج /352/1997م بإلغاء قرار قاضي الجنايات والقاضي ببراءة المتهم علي أن تعاد الأوراق للمحكمة لإعادة النظر في القرار.

تقدم الأستاذ محمد صديق محمد الماحي نيابة عن المتهم بهذا الطلب يطعن في صحة الحكم الصادر من محكمة استئناف أم درمان ويدعي أن المتهم كان يمارس حقه في الدفاع الشرعي إذ أن المرحوم حاول قتل المتهم بالعتلة والسكين ويضيف أن حق المتهم في الدفاع لم ينته بفرار المرحوم إذ أن المرحوم لم يفر.

تتلخص وقائع هذه الدعوى في الآتي :

في ليلة 29/10/1996م تمكن المرحوم ومعه آخرون من سرقة عربة المتهم من أمام باب منزله ….  قام المتهم مذعوراً على أثر نباح الكلاب فلم يجد العربة أمام باب المنزل فتحرك قليلاً فلاحظ وجود العربة وبالقرب منها اللص (المرحوم)  ومعه شخص آخر ولاحظ أن المرحوم يحمل عتلة وفي اليد الأخرى السكين فصاح المتهم الحرامي – الحرامي فجري المرحوم لمسافة ثم توقف ليخيف المتهم ويمنعه من المطاردة لكن المتهم لم يتوقف بل استمر في المطاردة وضايق المرحوم الذي حاول الاعتداء علي المتهم وهنا استطاع المتهم أن يأخذ العتلة من المرحوم ويهوي بها علي رأسه ويديه ورجليه مما أدي إلي تسبيب وفاته….

الرواية الوحيدة التي أمامنا هي رواية المتهم وفي تقديري أنها كانت منطقية لا غموض فيها ولا لبس فالمتهم واجه خطر الموت في تلك الليلة وهو يقف وحيداً في مواجهة لص مسلح تمكن من الاستيلاء علي عربته وسرق منها لستك وبطارية بل أن اللص (المرحوم) ذهب في استبداده أبعد من ذلك فلم يكتف بالسرقة ويهرب لكنه طغي وتجبر حينما حاول أن يخيف المتهم ويجعله يهرب تاركاً عربته للصوص … فالمتهم واجه خطر اعتداء حال علي النفس وعلي المال فالمرحوم لم يكتف بالسرقة بل حاول إلحاق الأذى بالمتهم حينما حاول ضربه بالعتلة … ولم يجد المتهم أي ملجأ سوي مواجهة المعتدي فتصدي له وتمكن من إلحاق عدد من الضربات برأس المرحوم ولا أعتقد أن المتهم يمكن أن يسأل عن تجاوز حدوده في الدفاع أو أنه استخدم قدر من القوة أكثر مما يلزم لرد الاعتداء لأن المتهم وجد في ظروف تجعل الرجل العادي يخشى علي نفسه خطر الموت والقدر من القوة المناسب لرد العدوان يقدره المتهم في ذلك الموقف (حكومة السودان //ضد// قرشي فضل المولي مجلة سنة 1972م).

لقد ثبت للمحكمة أن المرحوم كان يحمل معه العتلة المعروضات ويحمل في يده اليمني السكين وأن المتهم لم يحمل معه أي سلاح حينما خرج لتفقد عربته . إننا نتفق مع الرأي الأول في حكم محكمة الاستئناف القائل أن المتهم يستفيد من الدفع الخاص بالدفاع الشرعي ولا نتفق مع رأي الأغلبية في محكمة الاستئناف بأن المرحوم نزل إلي الخور وولي الأدبار وبالتالي لا يوجد خطر علي نفس المتهم أو ماله … لأن الحقيقة أن المرحوم توقف ليواجه المتهم كما أن المتهم لم يسترد ما سرقه منه المرحوم.

عليه نري إلغاء قرار محكمة الاستئناف القاضي بإعادة الأوراق لمحكمة الجنايات مع تأييد حكم محكمة الجنايات القاضي بإعلان براءة المتهم من التهمة الموجهة إليه وإخلاء سبيله في الحال.

القاضي :   هاشم حمزة عبد المجيد

التاريـخ : 29/9/1997م         القاضي :  محمد مصطفي حمد      القاضي :  تاج السر محمد حامد التاريـخ :   30/ 9 / 1997م                      التاريـخ :   5 / 10 / 1997م

 

 

 

 

عن Adallahi Eisa

اضف رد

إلى الأعلى
Chatضغط هنا لبدء المحادثة+